الملخص التنفيذي
قال بتسلئيل سموتريتش، الوزير البارز في الحكومة الإسرائيلية والذي أعلن عن نفسه أنه «فاشي» وأيّد المجزرة التي اقترفتها مؤخرًا الميليشيات اليهودية الإسرائيلية الفاشية بحق الفلسطينيين في بلدة حوارة القريبة من نابلس في الأرض الفلسطينية المحتلة وحرّض علنًا على إرهاب الدولة: «أعتقد أنه يجب مسح حوارة من الوجود. يتعين على الدولة أن تكون هي من يفعل ذلك.»
ومع هذا، تفوق الحكومة اليمينية المتطرفة الجديدة في إسرائيل كل سابقاتها في عنصريتها وأصوليتها وتحيُّزها ضد المرأة وفسادها وسلطويتها ومعاداتها للمثليين على الإطلاق – وكل ذلك جهارًا نهارًا. وتعمل هذه الحكومة في الوقت نفسه على تصعيد سياسات الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري المتواصلة التي تنتهجها إسرائيل بحق الفلسطينيين الأصلانيين وربما تشكل تحوّلًا جذريًا في الخطط البعيدة المدى التي أعدّتها لإجراء «الإصلاحات» القضائية والاجتماعية والثقافية، التي تفرز أثرها على المجتمع الإسرائيلي، وعلى الاقتصاد الإسرائيلي على الأرجح. ويفرض هذا الواقع على المدافعين عن حقوق الفلسطينيين في شتى أرجاء العالم، ولا سيما في حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، مسؤولية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى وفرصة لم يسبق لها مثيل على مدى 74 عامًا.
تشكل ردود الأفعال العنيفة والراديكالية التي تصدر من داخل المؤسسة السياسية والعسكرية والاقتصادية الإسرائيلية، ويؤيدها خطاب أقوى وأبلغ من جانب الجهات الغربية التي تمول إسرائيل وتساعدها وتدافع عنها في معاداتها للفلسطينيين، سوابق يمكنها أن تيسّر فضح الأسس التي يرتكز نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري والاحتلال العسكري الإسرائيلي عليها وتعريتها أمام جمهور أوسع في نطاقه على امتداد العالم.
ولكن الفرص وحدها لا تفضي إلى التغيير المنشود، بل لا تزيد عن أن تهيئ الأرضية المناسبة لإفراز هذا التغيير. وتضطلع حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) التي تناهض العنصرية وتناضل في سبيل حرية الفلسطينيين وتحقيق العدالة والمساواة لهم، ويقودها أكبر ائتلاف فلسطيني على الإطلاق، بمسؤولية خاصة تملي عليها أن توسع نطاق عملها على فضح نظام الاضطهاد الذي تتعهده إسرائيل إلى مدى أبعد وإخضاعها للمساءلة والمحاسبة، في ذات الوقت الذي تعمل فيه على إجراء تحليل متأنٍّ ودقيق وناجع للوقائع الراهنة من أجل مد يد العون في توجيه الحملات التي نطلقها في ميدان حقوق الإنسان. وإذا حان يومًا الوقت الذي ينبغي لنا فيه أن نتخلَّى عن مواطن راحتنا وأن نعزز حركتنا التي تتقاطع مع غيرها ونوطد الضغط العام الذي تمارسه، فقد آن هذا الأوان!
(1) المقدمة
قال بتسلئيل سموتريتش، الوزير البارز في الحكومة الإسرائيلية والذي أعلن عن نفسه أنه «فاشي» وأيّد المجزرة التي اقترفتها مؤخرًا الميليشيات اليهودية الإسرائيلية الفاشية بحق الفلسطينيين في بلدة حوارة القريبة من نابلس في الأرض الفلسطينية المحتلة وحرّض علنًا على إرهاب الدولة: «أعتقد أنه يجب مسح حوارة من الوجود. يتعين على الدولة أن تكون هي من يفعل ذلك.» ومع ذلك، لا يُعَدّ سموتريتش أول الزعماء الإسرائيليين الذين يتبنون أو يهددون على الملأ باقتراف أعمال الإبادة الجماعية بحق أبناء الشعب الفلسطيني الأصلاني. فقد سبق أن هدد زعيم حزب العمل ماتان فيلاني الفلسطينيين في العام 2008 بإنزال «’شوعاه‘ [هولوكوست] أكبر» بهم إن لم توقف جماعات المقاومة ردها المسلح على الحصار الإجرامي الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة والهجمات العدوانية التي شنتها عليه. كما كشف خطأ وقعت فيه جهات الرقابة الإسرائيلية، عن طريق المصادفة، عن وثائق سرية تفضح دافيد بن غوريون الذي أيد «مسح» قرى فلسطينية في أثناء النكبة التي حلّت بأبناء الشعب الفلسطيني في العام 1948، حيث أقر أحد الوزراء في حكومته الأولى بقوله: «دعونا نقول إن حوادث الاغتصاب وقعت في الرملة [المدينة الفلسطينية التي تعرض سكانها للتطهير العرقي]. في وسعي أن أغفر حوادث الاغتصاب، ولكنني لن أغفر أعمالًا أخرى،» من قبيل سلب «حليّ النساء» بالقوة.
ومع هذا، تفوق الحكومة اليمينية المتطرفة الجديدة في إسرائيل كل سابقاتها في عنصريتها وأصوليتها وتحيزها ضد المرأة وفسادها وسلطويتها ومعاداتها للمثليين على الإطلاق – وكل ذلك جهارًا نهارًا. وتعمل هذه الحكومة في الوقت نفسه على تصعيد سياسات الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري المتواصلة التي تنتهجها إسرائيل بحق الفلسطينيين الأصلانيين وربما تشكل تحولًا جذريًا في الخطط البعيدة المدى التي أعدتها لإجراء «الإصلاحات» القضائية والاجتماعية والثقافية، التي تفرز أثرها على المجتمع الإسرائيلي، وعلى الاقتصاد الإسرائيلي على الأرجح. لقد بدأ شيء لا يقل عن إعادة تشكيل لمشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في الظهور والبروز. ويفرض هذا الواقع على المدافعين عن حقوق الفلسطينيين في شتى أرجاء العالم، ولا سيما في حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، مسؤولية أكثر إلحاحًا من ذي قبل وفرصة لم يسبق لها مثيل على مدى 74 عامًا.
لا تفضي الفرص وحدها إلى التغيير المنشود، بل لا تزيد عن أن تهيئ الأرضية المناسبة لاجتراح هذا التغيير. فلا يزال يتعين علينا أن نوسع نطاق حركتنا الإستراتيجية التي تتوافق مع الأخلاق بالبناء على المساعي التي ترمي إلى تعبئة حشد ما يكفي من القوة في أوساط الناس من أجل إفراز تغيير نوعي في الكشف عن الوجه الحقيقي لنظام الاضطهاد الإسرائيلي ومساءلته ومحاسبته على أفعاله، باعتبار ذلك إسهامًا في مسيرة النضال التي يخوضها الفلسطينيون في سبيل التحرر. وتضطلع حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) التي تناهض العنصرية ويقودها أكبر ائتلاف فلسطيني على الإطلاق بمسؤولية خاصة تملي عليها أن توسع نطاق عملها في هذا المضمار إلى مدى أبعد، في ذات الوقت الذي تعمل فيه على إجراء تحليل متأنٍ ودقيق وناجع للمستجدات الراهنة بغية مد يد العون في توجيه حملاتنا المتوالية التي تراعي السياق القائم في مجال حقوق الإنسان. فيما يلي تحليل للتغيرات الرئيسية التي تحصل الآن في المجتمع الإسرائيلي وأثرها المحتمل على حركة النضال التي يخوضها الفلسطينيون في سبيل التحرر بعمومها، وعلى حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) بصفة خاصة
(2) الاختلاف في النوع أم في المستوى؟
تشكل هذه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة في الوقت نفسه:
اختلافًا في المستوى في مواجهة الفلسطينيين الأصلانيين، بالنظر إلى أنها لا تزيد عن كونها امتدادًايتسم بقدر أكبر من التعصب والسفور لنظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي الذي امتد على مدى 74 عامًا.2
واختلافًا في النوع في مواجهة المجتمع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، الذي غدا أشد فسادًا وسلطوية وأصولية وتحيزًا ضد المرأة وفسادًا ومعادة للمثليين من أي وقت مضى.
وتكمن المواضع التي تختلف فيها خطط هذه الحكومة في السياسات الاجتماعية والثقافية والقضائية التي تؤثر أساسًا في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، الذي يضطلع الفساد والشعبوية فيه بدور لم يسبق له مثيل في توجيه دفة التغيير الجذري في قطاع الحكم. وهذا يفرز أثره بالفعل على الاقتصاد الإسرائيلي ويفضي إلى بداية «هروب رأس المال،» وهو ما يثير قلقًا عميقًا في أوساط القائمين على وضع الخطط الاقتصادية في إسرائيل.
ويتمحور غضب المؤسسة الصهيونية «العلمانية» التي يهيمن الأشكنازيون عليها (ويمثلها كبار الساسة والمصرفيين والمديرين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا الفائقة (الهايتك) وضباط الجيش والأجهزة الأمنية وأعضاء السلك الأكاديمي والشخصيات الإعلامية وخبراء الاقتصاد وخبراء القانون والشخصيات الثقافية وغيرهم)، ومناصروها من التيار الليبرالي السائد في الغرب الاستعماري حول النقطة (ب)، وليس النقطة (أ) أعلاه. فهؤلاء يسعون، في التحليلات التي يضعونها والهجمات الغاضبة التي يشنونها على «النظام الانقلابي» والحلول التي يقترحونها، إلى استئصال شأفة الفلسطينيين عن بكرة أبيهم وإزالتهم من المعادلة وتبرئة ساحة نظام الاضطهاد المتواصل بحقنا.3
(3) الدفاع عن الديموقراطية الاستيطانية
يؤكد إلقاء نظرة فاحصة سريعة على الاتهامات الرئيسية التي توجهها هذه المؤسسة إلى الحكومة الجديدة، أو إلى جهات فيها، هذا العمل الواعي والدؤوب الذي يرمي إلى محو الفلسطينيين الأصلانيين من الوجود وطمسه: «فاشية،»4 و«مسيحانية فاشية،»5و«سلطوية» و«تعتدي على الحرية نفسها»، و«لاليبرالية سافرة،» وحتى «تهديد للسلم العالمي.» ويصرخ القادة السابقون في قطاعات السياسة والجيش والقضاء وحتى القطاع المالي في الاحتجاجات الجماهيرية بأن خطط الحكومة قد «تشل الاقتصاد،» وأنها تحرض على اندلاع «حرب أهلية،» وتؤدي إلى «انهيار دستوري واجتماعي،» وتشعل فتيل «انتفاضة قانونية،» وتسبب «جرحًا للديموقراطية لا يندمل،» و«تقتل وسائل الإعلام في إسرائيل» و«تقوض حقوق الإنسان» وخلاف ذلك.
وطالما شكّل التوجه الفاشي، الذي بات ذكره شائعًا اليوم في عموم إسرائيل، جزءًا أصيلًا من الصهيونية السياسية. ولكنه بات الآن أقوى وأكثر جرأة مما كان عليه في أي وقت مضى في أوساط الحكومة الإسرائيلية الحالية، حيث يدعو كبار وزرائها6 على الملأ إلى نظريات أو «حلول» تقوم على ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية أو تتسم بعنفها المتطرف وبالعنصرية للتعامل مع «مشكلة» الشعب الفلسطيني الأصلاني أو يهللون لها أو حتى يشجعونها.
وغدت الكهانية،7 التي يسميها رئيس تحرير صحيفة «هآرتس» «النسخة اليهودية من الفاشية،»8 تقع في صميم التيار السائد في إسرائيل وتطغى على المناصب الرفيعة المستوى في حكومتها، وهذا يؤمّن لنا فرصة مهمة لفضح هياكل الاضطهاد القائمة فيها وإماطة اللثام عنها. فأي دولة يُفترض بها أن تكون ديموقراطية وتحترم القانون الدولي، بصرف النظر عما يمكن أن تتسم به من رياء ونفاق، سوف ترى أنه من الصعوبة بمكان وعلى نحو يفوق أي وقت مضى أن تدافع عن علاقاتها الودية - التي تقوم على التواطؤ - مع إسرائيل بناءً على ذريعة «القيم الديموقراطية المشتركة»، وذلك عندما تواجه المقاومة المنظمة والفعالة التي تخوضها حركة التضامن المتنامية. ولكن، مرة أخرى، لن تفضي الفرصة وحدها إلى وضع حد لهذا التواطؤ ووأده. فمن شان حركة تضامن جماهيرية تتسم بفعاليتها وتعتمد نهجًا إستراتيجيًا وتقوم على ثوابت أصيلة أن تشكل عاملًا محفزًا رئيسيًا، مثلما حصل في عدة بلدان غربية في مواجهة نظام الفصل العنصري الذي كان قائمًا في جنوب أفريقيا.
تتمثل المعضلة الرئيسية التي تتعمد المعارضة الإسرائيلية ومؤيدوها الذين يعادون الفلسطينيين تجاهلها في أن الهدف الحقيقي والرئيسي الذي وضعته هذه الحكومة الإسرائيلية، ومثلها في ذلك مثل جميع سابقاتها، يكمن في إرساء دعائم الاستعمار الاستيطاني من خلال تسريع وتيرة ضم مساحات أكبر من الأرض الفلسطينية المحتلة بحكم الأمر الواقع وبحكم القانون. ولا يزال التيار اليميني المتطرف، الذي يتزعمه حزب الليكود منذ نشأته،9 يتهم المحكمة العليا، وعلى الرغم مما أبدته من تأييد لمشروع الاستيطان الذي تتعهده إسرائيل دون وجه قانوني وتيسيره وتأمين الحماية لجرائم الحرب التي تقترفها من المساءلة الدولية على مدى عقود، بأنها تعوق إكمال المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يرى الائتلاف الحكومي أنه غايته الأساسية التي لا تفوقها غاية، حسبما أقر به نتنياهو في تغريدته الشائنة، والصادقة في الوقت نفسه.10
ويعكس الهجوم الذي يستهدف حكومة إسرائيلية قائمة من داخل المؤسسة الإسرائيلية خوفًا أصيلًا من أن خططها «غير العقلانية» و«عديمة المسؤولية» قد تكشف عن الوجه الحقيقي لنظام الاضطهاد الإسرائيلي وتقوض جوانب أساسية من ديموقراطية إسرائيل القائمة على الاستيطان والاستعمار.11 فأنت «لا تستطيع أن تنفي حقيقة ’الديموقراطية اليهودية‘» في نهاية المطاف. إن إسرائيل، بالفعل، ديموقراطية حية نسبيًا لصالح مستوطنيها المستعمِرين اليهود، في ذات الوقت الذي ترسي فيه دعائم نظام وحشي قوامه الاضطهاد بحق العرب الفلسطينيين الأصلانيين، بمن فيهم اللاجئين. وتعد إسرائيل، حسب التسمية التي يطلقها إيلان بابيه عليها، «ديموقراطية فوقية، ديموقراطية للأسياد دون غيرهم.» إن ما يجري تقويضه الآن هو هذه الديموقراطية الفوقية أو ما يسميه بيتر باينارت «الديموقراطية غير الليبرالية المخصصة لليهود» اليوم.
ويقول دانيال بلاتمان، وهو باحث إسرائيل بارز في الفاشية والنازية والهولوكوست، إن إسرائيل تديرها «حكومة شعبوية تقترب من الفاشية.» ولكن بلاتمان يركز، في مقابلة طويلة أُجريت معه وتخلّف فيها عن الإتيان على ذكر الفلسطينيين ولو مرة واحدة، على «الإصلاحات القضائية» التي أطلقتها الحكومة بقوله:
«لو نُفذت هذه ’الإصلاحات‘ القضائية في واقع معقد كواقع إسرائيل، فسوف تفضي إلى كارثة. نحن لسنا بولندا. في بولندا، سوف تعقد الانتخابات في غضون نصف عام. وسواء استبدلت الحكومة أم لم تستبدل، فسوف يعيش الشعب معها. ولكن في المكان التي توجد إسرائيل فيه، وبتركيبتها الاجتماعية المحلية، وفي ظل الاحتلال، ومع وجود أقلية من السكان [العرب] الذي يشكلون ما نسبته 20 في المائة، وفي ضوء هذه الحالة المعقدة من ناحية الأمن والمجتمع والاقتصاد - تعد الشعبوية وصفة للخراب. فهي لا تطال القيم الأخلاقية فحسب، بل تمتد إلى وجود البلد بكامله كذلك.»
....
ما كان فيما مضى يمينًا متطرفًا أضحى اليوم وسطًا. والأفكار التي كانت في السابق على الهامش صارت مشروعة. وبصفتي مؤرخًا يتخصص في مجال عمله في الهولوكوست والنازية، يصعب عليّ أن أقول هذا، ولكن ثمة وزراء من النازيين الجدد في الحكومة اليوم. لن ترى في أي مكان آخر - لا في المجر ولا في بولندا - وزراء عنصريين حتى النخاع على الصعيد الأيديولوجي. [التوكيد مضاف]
إن ما يرعب بلاتمان وأمثاله في حقيقة الأمر يكمن في أن هذه «الفاشية،» التي طالما شكلت عنصرًا أصيلًا وعضويًا في نظام الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي يستهدف الفلسطينيين الأصلانيين، باتت تصل إلى نتيجتها المنطقية: التحول على تهديد خطير يعتري المؤسسة اليهودية الإسرائيلية نفسها، مع ما ينطوي عليه من احتمال تقويض بعض قواعدها.12 وليس في وسع نطام عنصري قائم على الاضطهاد أن يحول بين العنصرية التي تضرب جذورها في عمق منظومته التي تظلم المضطهَدين وبين الامتداد إلى مجتمعه الذي يضم المضطهِدين، حسبما يقر بذلك بعض المعلقين الإسرائيليين الصادقين اليوم.13
ولا يظهر الواقع الذي يشهد على أن المحكمة العليا الإسرائيلية شكلت على الدوام ركنًا من أركان النظام الاستعماري الاستيطاني، وأمّنت «قبة حديدية قانونية» لا غنى عنها ووفرت الحماية لمجرمي الحرب الإسرائيليين من الخضوع للمساءلة الدولية، على شاشة رادار المعارضة التي تثور في وجه المؤسسة الصهيونية. فقد قضت هذه المحكمة في العام 2021، وفي واحدة من الجرائم العديدة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين، مثلًا، بتأييد قانون الدولة القومية، الذي أعلن أن «ممارسة حق تقرير المصير في دولة إسرائيل تنحصر في الشعب اليهودي.» وبناءً على ذلك، يعّرف هذا القانون وبصفة رسمية المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، وهو وضع طالما التصق بهم. وفي العام 2022، منحت المحكمة العليا - التي يسكن أحد قضاتها في مستوطنة لا صفة قانونية لها في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 - الضوء الأخضر لطرد 1,000 فلسطيني قسرًا من ديارهم في مَسافر يطا بالضفة الغربية المحتلة بغية إفساح المجال أمام إقامة «منطقة تدريب» لصالح الجيش.
وقال أورلي نوي، رئيس مركز بتسيلم، في معرض دراسته لتواطؤ هذه المحكمة: «لن أخرج للاحتجاج في تل أبيب حيث توجد شخصيات عسكرية في الساحة وأقول إنه يتعين علينا أن نحارب الإصلاحات القضائية لأن المجتمع الدولي سيتوفر لديه من الأسباب ما يحمله على إرسال أبناء شعبنا إلى المحكمة الجنائية الدولية. ينبغي الإحجام عن التركيز على ارتكاب جرائم الحرب في المقام الأول. ليس في وسعي أن أخرج في مظاهرة والمناداة بحماية الوضع القائم.»
(4) إصلاح المستعمرة الاستيطانية أو إعادة اختراعها
يضم الائتلاف الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو، سيد النيوليبرالية، أحزابًا أصولية بارزة (شاس ويهدوت هتوراه) ضاقت ذرعًا بالنهج النيوليبرالي والتقشفي الذي انتهجته المؤسسة وتدعو إلى إقامة «دولة الرفاه» حتى لو كانت تقتصر على اليهود الإسرائيليين دون غيرهم. وعلى الرغم من أن حزب شاس سبق له في ماضي عهده أن تعامل مع العنصرية الإسرائيلية الداخلية (بحق اليهود العرب / المزراحيين، واليهود الحريديين / الأصوليين وغيرهم)، فإن هذه القضية لم تكن حاضرة في برنامجه الانتخابي في الانتخابات الأخيرة. ومع ذلك، تنحي الأحزاب الأصولية بجانب من اللائمة عن «الفساد» الديموغرافي الذي أصاب المجتمع اليهودي على مئات آلاف اليهود «المزيفين» (الأغلبية الساحقة من المستوطنين الذين ينحدرون من الجمهوريات التي كانت تنضوي تحت عباءة الاتحاد السوفييتي السابق) وعن الفساد الثقافي الذي يضرب المجتمع اليهودي بفعل «الهيئات الأجنبية» والفكر الغربي «المنحط»، وخاصةً الفكر المسيحي الذي يأتي من الكنائس في أوروبا. وبالتوازي مع ذلك، تشهد الاعتداءات العنيفة التي يشنها الإسرائيليون على المسيحيين الفلسطينيين وكنائسهم ومقابرهم وأيقوناتهم، وما يقترن بها هتافات «الموت للمسيحيين» و«الموت للعرب والأغيار» زيادة مطردة لا تفتر.
ومن جانب آخر، تلوم المؤسسة «العلمانية» المتدينين المتزمتين لأنهم يشكلون «عبئًا» يثقل كاهل خزينة الدولة دون أن يسهموا إسهامًا ذا بال فيها (ففي المتوسط، يدفع الإسرائيلي من غير الحريديين ستة أضعاف الضرائب التي يدفعها الحريديون، لكل فرد) ولكونهم «فاسدين» و«متعصبين.» وينظر إيران ياشيف، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، إلى الإصلاح القضائي على أنه اغتصاب للموارد على يد المتدينين المتزمتين واليمين المتطرف الديني الصهيوني. ويقول ياشيف: «إن ذلك يمثل إعادة توزيع [للموارد] من قطاع التكنولوجيا الفائقة لصالح الأقليات الدينية والقومية. ... وقد يحول إسرائيل إلى بلد غير ليبرالي.» وزيادة على ذلك، ما فتئت المؤسسة «العلمانية» والمثقفون الذين يدورون في فلكها يرددون مفارقة التسامح الشهيرة التي خرج الفيلسوف كارل بوبر بها - «لكي تحافظ على مجتمع متسامح، يجب ألا يتسامح المجتمع مع التعصب.» ويضع هؤلاء اللوم على «التسامح» الذي يبدو أن النخبة الحاكمة العلمانية أبدته دون قيد أو شرط إزاء وجهات نظر لم يكن يخفى تعصبها وإزاء الأفعال التي أقدمت عليها الطوائف الصهيونية الحريدية والقومية المتطرفة والدينية، مما أفضى إلى الواقع القسري المشهود في هذا اليوم. ومرة أخرى، لا يبرز ما يجمع الصهاينة من «التعصب» تجاه الفلسطينيين الأصلانيين - على أهون ما يمكن أن يوصف به هذا الأمر - في هذا النقاش.
وغدت هذه الأحزاب الدينية المتزمتة، التي ما عادت ترضى بإصلاح المؤسسة «العلمانية» الصهيونية وتحالفت مع الأحزاب الدينية القومية المتطرفة، عازمة على تجديد هذه المؤسسة أو إعادة اختراعها من الأساس. وتخشى المؤسسة «العلمانية» من أن يؤدي ذلك إلى مأسسة الفكرة الإقصائية التي تراها تلك الأحزاب «للهوية اليهودية.» ومع ذلك، فسوف تبقى المحافظة على هياكل الاستعمار الاستيطاني القائمة على الاضطهاد كما هي دون تغيير في مواجهة الفلسطينيين الأصلانيين تشكل القاسم المشترك بين وجهي العملة الاستعمارية الاستيطانية.
(5) المؤشرات الرئيسية على الاختلاف في النوع
ثمة تغييرات كثيرة يزمع الائتلاف الحاكم الجديد أن ينفذها. ويستند بعض هذه التغييرات إلى البرنامج الذي أجمع الائتلاف عليه وتلك التغييرات التي عبر عن بعضها عدد من وزرائه، وليس كلهم. وتستهدف بعض هذه الخطط بحكم الأمر الواقع، أو يمكن أن تفرز أثرها على، الأركان الأساسية التي تقوم هياكل السلطة في الدولة عليها:
يهدد منح الكنيست صلاحية إلغاء القرارات التي تصدرها محكمة العدل العليا و«تسييس» تشكيلة لجنة اختيار القضاة والمطالب الرئيسية التي تنادي الحركات الاستيطانية المتنفذة في الأرض الفلسطينية المحتلة بها بتقويض الفصل النسبي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية (اللتين يسيطر الائتلاف عليهما معًا) من جانب، والسلطة القضائية من جانب آخر. لقد كانت السلطة القضائية تتمتع على الدوام باستقلال نسبي عن السياسة البرلمانية اليهودية الداخلية والإسرائيلية على الرغم من دورها الثابت والأساسي الذي شكّل ركنًا من أركان بنية الاستعمار الاستيطاني في مواجهة الفلسطينيين.14 وتعد الصلاحيات الهائلة التي تملكها المحكمة العليا في هذه الآونة الضامن الأساسي لنظام «الضوابط والتوازنات» في دولة لا دستور لها وليس لها غير مجلس برلماني واحد.15 وتحظى هذه الإصلاحات بدعم قوي في أوساط الجمهور اليهودي الإسرائيلي، بصرف النظر عن الأثر الهائل الذي يُحتمل أن يتمخض عنها.
يعد إنشاء منصب وزاري مستقل في وزارة الدفاع وتعيين بتسلئيل سموتريتش فيه، والسيطرة على ما يسمى «الإدارة المدنية» الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، التي تبسط حكمها على الفلسطينيين والمستوطنين الذين تنتفي الصفة القانونية عنهم فيها، أمرًا غير مسبوق. وبالتوازي مع ذلك، لا يمارس إيتمار بن-غفير، «وزير الأمن القومي،» أي سيطرة مباشرة على جهاز حرس الحدود برمته، وهو قوة لم تزل تعمل تحت إشراف قيادة «قوات الدفاع الإسرائيلية» في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وقد حذر غيورا إيلاند، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ومستشار الأمن القومي السابق، من أن هذا الحال قد يفضي إلى «انهيار إستراتيجية قوات الدفاع الإسرائيلية بكاملها.»
وحذر عدة قادة عسكريين إسرائيليين رفيعي المستوى من أن هذه التغييرات قد «تغير وجه قوات الدفاع الإسرائيلية تغييرًا جذريًا» أو قد تؤدي إلى «تقويض تسلسل القيادة [فيها]» وإضعاف جاهزيته القتالية. وأعرب البعض عن مخاوفه من أن هذه الإصلاحات قد ترسخ ضم أراضي الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع وبحكم القانون، مما يفضي إلى «تعقيد» العلاقات مع الجهات الغربية التي تمول إسرائيل وتساعدها، وهو ما يشير في مضمونه إلى الأثر المتنامي الذي يمكن أن تفرزه حركة التضامن.
ومن جملة الخطط الأخرى رفع سياسة «التهويد» التي تنفذها إسرائيل القائمة على الفصل العنصري إلى مستوى نوعي جديد. فقد بات «التهويد» يتحول إلى سياسة تهدد - ولو بدرجة أقل - قطاعات داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي المهيمن، إلى جانب توظيفه على الدوام باعتباره إستراتيجية من إستراتيجيات الاستعمار الاستيطاني لتهجير الفلسطينيين الأصلانيين قسرًا عن ديارهم وسرقة أراضيهم.16
تدفع الحكومة في اتجاه سن قانون أساس بشأن التشريع لكي ينص على أن أي قانون أساس (وهو قانون له قوة الدستور) سُنَّ سابقًا بأغلبية تقل عن 61 صوتًا من أصوات أعضاء البرلمان يفقد مكانته بوصفه قانون أساس ويتحول إلى قانون «عادي.» ويكمن الهدف الرئيسي من هذا القانون في الغض من مكانة قانون الأساس بشأن كرامة الإنسان وحريته، الذي سنه الكنيست في دورته الثانية عشرة بأغلبية 32 عضوًا مقابل 21 عضوًا.
وعقّبت قاضية المحكمة العليا المتقاعدة أيالا بروكاشيا بقولها إن «تحويل قانون أساس [بشأن كرامة الإنسان وحريته] إلى قانون عادي يعني إنكار سموّ حقوق الإنسان وإخضاعها لإدارة أي حكومة قائمة، كما يقوض قدرة المحكمة على حماية الأفراد أو أبناء الأقليات من الضرر غير المتناسب الذي يمس أبسط حقوقهم الأساسية.» واستطردت القاضية بروكاشيا القول إن الضرر قد يصيب «جميع مناحي الحياة التي نحظى بحقوق الإنسان فيها: المساواة وعدم التمييز، وحرية التعبير عن الرأي، وحقوق الملكية الفردية، والحق في الخصوصية، وحرية التنقل، والحق في حرية الدين والتحلل منه.» ومرة أخرى، تشير بروكاشيا في تصريحها، ودون أن تحس بالمفارقة التي ينطوي عليها، إلى الحقوق الأساسية التي ينعم اليهود الإسرائيليون بها، دون أن تشير إلى تلك الحقوق الواجبة للفلسطينيين الأصلانيين على وجه التأكيد. فقد دأبت المحكمة العليا الإسرائيلية على رفض الدعوات التي توجَّه إليها بشأن إعمال المساواة17 لصالح المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، حيث يدفع قضاة بارزون فيها بأن هذه المساواة قد تقوض «السمة اليهودية» التي تسم الدولة. ولا تنص قوانين الأساس الإسرائيلية على إعمال المساواة في الأصل لأسباب ليست بخافية.
وفقًا لما جاء في اتفاقات الائتلاف، من المقرر رصد نحو 500 مليون دولار «لتعزيز الهوية اليهودية» في إسرائيل - وهذه عبارة تفهمهما المؤسسة «العلمانية» على أنها تعني تلقين التعاليم الدينية المتزمتة. وثمة خطط كذلك لتحويل دراسة التوراة إلى قيمة تعادل الخدمة في الجيش، وهو ما قد يتيح للحكومة وللمرة الأولى أن تسن قانونًا يعفي طلاب المدارس الدينية («اليشيفا») من الخدمة العسكرية وإضفاء طابع قانوني على هذا الإعفاء، دون أن يبقى إعفاءً بحكم الأمر الواقع مثلما كان عليه حاله دائمًا.18
يبدي عضو الكنيست أفي موعاز (من حزب نوعام)، ونائب وزير في مكتب رئيس الوزراء يتولى المسؤولية عن إقامة «سلطة تُعنى بأمن الهوية» وعن برامج التعليم اللامنهجي، التزامه الأساسي «بتهويد» التعليم، الذي يؤكد الشريعة اليهودية (الهلاخاه) وتفوّق اليهود. ويقول موعاز: «إن رايتنا هي راية حرب لا هوادة فيها على التقدمية. يجب تغيير الوضع القائم، وعلينا أن نتأكد من أن اليهودية تحظى بالاعتراف في كل ناحية من النواحي. ستكون إسرائيل دولة ترعى السبت في الحيز العام. ولن تنال أسر المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية الاعتراف بها، ولن تخدم النساء في قوات الدفاع الإسرائيلية. إن إسهامهن يتمثل في الزواج ورعاية أسرهن.»
وتشمل الخطط التي وضعها الائتلاف الحكومي «توسيع نطاق الصلاحيات الممنوحة للمحاكم الدينية التي تمارس التمييز ضد المرأة، وترسيخ الفصل بين الجنسين في الحيز العام ومقاومة المبادرات التي تحارب العنف ضد المرأة تحت شعار المحافظة على سلطة الذكور في البيت.» وما فتئ ما يكنّه الائتلاف من «كره للنساء» محط هجوم المعارضة.19 ففي تل أبيب والقدس وحيفا، خرجت العشرات من النساء وهن يرتدين ملابس الخادمات المستوحاة من كتاب مارغريت أتوود «The Handmaid’s Tale» [«حكاية الخادمة»]، الذي يتناول مجتمعًا أصوليًا متخيلًا يقمع النساء ويضطهدهن.
يجري اقتراح تشريعات تمنح الحق لمقدمي الخدمات، بمن فيهم الأطباء، في رفض تقديم الخدمة لأي شخص إذا كان من شأن تقديم هذه الخدمة له أن يتعارض مع معتقداتهم الدينية. ويفسَّر هذا إلى حد بعيد على أنه يمكّن الإسرائيليين من جميع مناحي الحياة من رفض تقديم الخدمات ليس للفلسطينيين (المسلمين والمسيحيين) فحسب، بل لليهود من المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية والمتسائلين وحاملي صفات الجنسين والنساء اليهوديات اللواتي يرتدين ملابس تفتقر إلى الاحتشام وغيرهن. وتقوم الأصولية اليهودية، شأنها شأن جميع الاصوليات الدينية، على الإقصاء وتعزز الكراهية العنصرية والعنف.20 وفي مقابل ذلك، تدعو حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، بوصفها حركة تلتزم التزامًا ثابتًا بمناهضة العنصرية، إلى تجنّب إطلاق أي تعميمات أو إجراء أي تحليلات قد تثير المشاعر المعادية للسامية.
من الجوانب المهمة الأخرى التي تنطوي عليها القوة المتنامية للأصولية اليهودية في الحكومة الإسرائيلية، وبخلاف الآثار الجلية التي تفرزها على الفلسطينيين، ما يُتوقع من فرض المزيد من القيود على التعريف الذي تضعه إسرائيل لليهود، بحيث يقصي أولئك الذين يعتنقون الديانة اليهودية بشهادة الحاخامات. فقد دعا بن-غفير إلى سحب اعتراف الدولة بتحوّل غير الأرثوذكس إلى اليهودية. ومن المحتمل أن يثير هذا التدابير وما يشبهه من تدابير غضب الملايين من اليهود غير الأرثوذكس، وخاصةً في الولايات المتحدة التي لا تزال اليهودية الإصلاحية فيها تشكل أكبر طائفة يهودية، مما ييسر قدرًا أكبر من الفرص أمام الجماعات اليهودية التقدمية التي تُكِنّ العداء للصهيونية - والتي يحتل دورها في هذه الحركة دورًا حاسم الأهمية بل وتزداد أهميته أكثر من ذي قبل - لحشد الدعم والمساندة لها.
في سابقة، قال أحد كبار الوزراء في الحكومة مؤخرًا «أنا فاشي معادٍ للمثليين،» حيث وجه بتصريحه هذا ضربة قاصمة لإستراتيجية الغسيل الوردي (pinkwashing) التي كانت تسير بسلاسة.
في أعقاب الهجوم الذي استهدف مستوطنين إسرائيليين في القدس الشرقية المحتلة في يوم 27 كانون الثاني/يناير 2023، لم يهتف المستوطنون - «الموت للعرب!» - فحسب، وإنما رددوا هتافهم «الموت لليساريين!» أيضًا. طالما أبغض اليمين المتطرف في إسرائيل ما يعتبره يهودًا إسرائيليين «يساريين»، شكلوا في معظمهم نواة المؤسسة الصهيونية (من قبيل زعماء حزب العمل وأمثال شمعون بيريس ويتسحاك رابين ويائير لابيد والقضاة البارزين في المحكمة العليا وغيرهم)، ممن أرادوا أن يرسخوا نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، الذي كانوا هم من أرسوا أسسه في المقام الأول، بيد أنهم سعوا إلى الإبقاء على قناع الدعاية الذي لا بد منه لتغطية وجه الديموقراطية والليبرالية، وكانوا بالتالي يبدون الاستعداد للتنازل عن جانب من السيطرة على جزء ضئيل من فلسطين التاريخية من أجل حبس الملايين من الفلسطينيين في بانتوستانات / غيتوهات فيه. فبالنسبة لهؤلاء، يمثل قطاع غزة النموذج الاستعماري الاستيطاني المثالي الذي يبين كيفية التعامل مع «مشكلة» الفلسطينيين الأصلانيين في شتى أرجاء فلسطين التاريخية – «أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من العرب.»
ولهذه المؤسسة «اليسارية» غاية نهائية وشاملة: تأمين المستعمرة الاستيطانية بإطالة أمد الأغلبية الديموغرافية للسكان اليهود وتفوقهم على مدى العقود المقبلة. وقد غدا الهجوم الذي يشنه المستوطنون اليمينيون المتطرفون على اليهود الإسرائيليين «اليساريين» والذي يساوون فيه بينهم وبين الأصلانيين الذين ينزعون الصفة الإنسانية عنهم، يجد التشجيع على الإقدام عليه بدعم من كبار وزراء الحكومة، مع أن هذا الهجوم ليس بالأمر الجديد.
فعلى النقيض من ذلك، يبتعد اليهود الإسرائيليون اليساريون، الذين يناهضون الاستعمار بحكم تعريفهم ويؤيدون تقويض أركان الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري، عن هذا الجدل المؤسسي ولا ينخرطون فيه.21
(6) المؤشرات الرئيسية للاختلاف في الدرجة
بالنسبة للفلسطينيين، غدت السياسة المتواصلة المرتبطة بالاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري أكثر قسوة في الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة الخطط الطويلة الأمد التي تنطوي على نهج يتسم بقدر أكبر بكثير من الغطرسة تجاه العلاقات الدولية ويرفض بصراحة المخاوف الأصيلة التي يعرب عنها شركاء إسرائيل في جرائمها في الولايات المتحدة وأوروبا:
إن هذه الحكومة تنفذ حلم اليمين المتطرف في نهاية المطاف: ضم معظم الأرض الفلسطينية المحتلة، إن لم يكن ضمها كلها، بحكم الأمر الواقع وربما بحكم القانون من خلال زيادة وتيرة الاستعمار الاستيطاني في و«إضفاء صفة قانونية عليه»، بما يشمل الاستعمار في مرتفعات الجولان السوري المحتل، وبما يتماشى مع خطة الضم التي أعلنها ترامب ونتنياهو / «صفقة القرن.» وقد استُهلت أولى الخطوات الرسمية على صعيد الضم بحكم القانون بالفعل.
عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصًا تلك التي ترأسها حزب الليكود وشركاؤه من التيار اليميني المتطرف، رويدًا رويدًا على طمس معالم ما يسمى بالخط الأخضر (حدود الهدنة للعام 1949)، بالفعل إن لم يكن بالقانون.22 وقد شمل هذا الأمر وتيرة متزايدة من معاملة الفلسطينيين الذين يحملون المواطنة الإسرائيلية (الفلسطينيون في فلسطين المحتلة في العام 1948) بوصفهم من السكان العرب الفلسطينيين الأصلانيين «الأعداء،» وعلى أنهم ما عادوا «عربًا إسرائيليين» يجب تمييزهم عن الفلسطينيين في بقاع أخرى ويتعين عليهم بحكم الأمر الواقع أن يسلّموا بوضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية في ظل نظام الاستعمار الاستيطاني العام الذي يقوم على الاضطهاد في أساسه باعتبار هذا الوضع هو قدرهم. وسوف تتضح معالم هذا التوجه، في عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية، بدرجة أكبر وتزيد صعوبة إخفائه، مما يضفي قدرًا أكبر من الزخم على وحدة الفلسطينيين التي تجلت في أبهى صورها خلال هبة أيار 2021 التي انطلقت شرارتها في جميع ربوع فلسطين التاريخية. ومن المتوقع اليوم أن تلقى الأفكار الكهانية أو الأفكار المستوحاة من كهانا، والتي ترى تصعيد أعمال التطهير العرقي بحق التجمعات السكانية الفلسطينية في فلسطين المحتلة في العام 1948، أو «التهجير الثابت،» والتي كانت شائعة على مدى عقود بين كبار زعماء حزبي العمل والليكود، رواجًا أكبر من ذي قبل في أوساط التيار السائد في إسرائيل.
قال نحمان شاي، وزير الشتات الإسرائيلي الأسبق، إن خطط الائتلاف الحكومي التي ترمي إلى توطيد هيمنة اليهود المتدينين المتزمتين في إسرائيل وترسيخها قد تنفّر اليهود غير الأرثوذكس على امتداد العالم، وهو أمر قد يزيد من الهوة بينهم وبين إسرائيل.23 وتشمل هذه الخطط حظر الصلوات اليهودية المختلطة بين الجنسين في أي بقعة مما يسمى «ساحة» الحائط الغربي24 (التي كان يتربع عليها حي المغاربة الذي تعرض سكانه للتطهير العرقي في البلدة القديمة بالقدس المحتلة) وإلغاء بند «الحفيد» من «قانون العودة» الاستعماري الاستيطاني، مما يفضي إلى تجريد أحفاد جد غير يهودي وحفيداته من الأهلية بموجب هذا القانون العنصري.
بات النقاش الذي يتناول تصاعد نفود الصهيونية الأصولية اليهودية في إسرائيل وآثارها الفتاكة المحتملة على الفلسطينيين الأصلانيين، والذي كان يخضع للرقابة في أغلب أحواله، يكتسي طابعًا عامًا أكبر في ظل هذه الحكومة. فقد دأبت الشخصيات الصهيونية الأصولية اليهودية، على مدى عقود، على الدعوة إلى ارتكاب الإبادة الجماعية والمجازر بحق المسلمين والمسيحيين العرب (وخاصة الفلسطينيين منهم)، وكانوا يوظفون في دعوتهم هذه تفسيرات متعصبة للشريعة اليهودية (الهلاخاه) من أجل تسويغها وتبريرها. فعلى سبيل المثال، احتفى شموئيل إلياهو، كبير حاخامات صفد ووالد أحد الوزراء في الحكومة الحالية، بموت عشرات الآلاف في تركيا وسوريا نتيجة للزلزال المدمر الذي ضرب البلدين في شهر شباط 2023، ودعاه «عدالة إلهية» حلّت «بأعداء» إسرائيل.
إذا كانت الحكومات السابقة التي قادها نتنياهو، والتي اتسمت بقدر أقل من الفاشية والأصولية، قد شكلت تحالفات قوية مع الأحزاب والحركات والأنظمة اليمينية المتطرفة والسلطوية والاستبدادية في العالم، والتي تجاهر كلها تقريبًا بمعاداتها للسامية، فإن حكومته الجديدة «الأكثر عنصرية على الإطلاق» تقطع الوعود بالمضي بهذه التحالفات إلى مستوى جديد بالكلية. فأولويته الدبلوماسية، مثلًا، تكمن في تطبيع العلاقات مع النظام الدكتاتوري السعودي.
قال وزير الشؤون الإستراتيجية في الحكومة الحالية وسفير إسرائيل السابق لدى واشنطن، رون ديرمر، في العام 2021 إن إسرائيل ينبغي لها أن توجه قدرًا أكبر من طاقتها نحو التواصل مع الإنجيليين الأمريكيين «الذين يبدون التعاطف معها» من تواصلها مع اليهود. وقال ديرمر إن الصهاينة المسيحيين يشكلون «عماد» الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، على حين يعد اليهود الامريكيون «من جملة منتقدي [إسرائيل] إلى حد كبير.» وتشكل الشراكة الوثيقة التي تعقدها إسرائيل مع الصهاينة المسيحيين، الذين يمكن القول إنهم يمثلون إحدى أقوى الطوائف التي تتغلغل معاداة السامية فيها25 على مستوى العالم (في الغرب وبقدر متزايد في بلدان الجنوب أيضًا) تهديدًا أكبر لا يكتنف حقوق الفلسطينيين والنساء والمثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية والمتسائلين وحاملي صفات الجنسين وغيرهم من أبناء الطوائف الدينية وحياتهم فحسب، بل يهدد سلامة اليهود في شتى أرجاء العالم، حسبما دأب عدد ليس بالقليل من الجماعات اليهودية التقدمية على التحذير منه.