المقدمة
تحيّي اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل (BNS)، وهي أكبر ائتلاف في المجتمع المدني الفلسطيني وتقود حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) العالمية، النشطاء والمنظمات والمؤسسات على امتداد العالم والتي أبدت تضامنها الجاد مع مسيرة النضال الملحّ الذي نخوضه في سبيل وضع حد للإبادة الجماعية التي تقترفها إسرائيل وتُنقل في بث حي ومباشر بحق 2.3 مليون فلسطيني في غزة. وللمساعدة في تفكيك النظام الإسرائيلي القائم منذ عقود على الأبارتهايد الاستعماري الاستيطاني، يتعين علينا أن نصعّد الحملات التي تنظمها حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، وبناء قدر أكبر من قوة الناس من أجل التصدي لجميع أشكال التواطؤ في نظام الاضطهاد الذي تنفذه إسرائيل، بما يشمله من تواطؤ الشركات فيه.
وتُعدّ الشركات الضالعة في ارتكاب الجرائم الدولية المرتبطة بنظام الاحتلال غير المشروع والفصل العنصري والأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل (على الشعب الفلسطيني الأصلاني بأكمله)، أو الإبادة الجماعية، كلها متواطئة، وفقًا لمعايير تواطؤ الشركات التي وضعتها حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، ويجب إخضاعها للمساءلة. وينطوي التواطؤ المباشر على الدعم العسكري والأمني أو التكنولوجي أو المالي أو اللوجستي أو دعم البنية التحتية.
وينبغي للمستثمرين ألا يتربّحوا من الشركات الضالعة في هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، على الوجه الذي يعرّفه القانون الدولي (بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية)، وألا يقدموا رأس المال لها أو يستثمروا فيها عن علم. ويترتب على المستثمرين المؤسسيين التزام قانوني، وليس مجرد التزام أخلاقي، بسحب استثماراتهم من الشركات التي تيسر عن علم هذه الانتهاكات واستبعادها من العقود التي تبرمها مع تلك الشركات في حال عجزها عن إلزامها بإنهاء هذا التواطؤ.
سحب الاستثمارات
في الواقع، يمثل «سحب الاستثمارات» اختصارًا لعبارة الضغط المؤسسي الذي يُمارس على الشركات المتواطئة والضالعة عن علم وعلى نحو ينمّ عن الإصرار في جرائم إسرائيل وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان، ولا سيما الإبادة الجماعية والأبارتهايد والاحتلال. ويُعرف الضغط المؤسسي في هذا المقام بأنه استخدام نفوذ مؤسسة من المؤسسات للضغط على الشركات التي تستثمر فيها أو تباشر الأعمال التجارية معها لكي تقطع علاقاتها مع تلك الانتهاكات.
ولإجبار المؤسسات على ممارسة هذا الضغط المؤسسي على الشركات المتواطئة، يجب على حركات التضامن على مستوى القواعد الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني أن تمارس الضغط على صناديق التقاعد والاستثمار وغيرها من المؤسسات (مثل مجالس البلديات، والجامعات والنقابات وغيرها) لكي تقوم بإلغاء و/أو إنهاء العقود التي تبرمها مع تلك الشركات المتواطئة أو استثماراتها فيها أو علاقاتها المالية الأخرى معها. ومن أبرز ما يشمله الضغط المؤسسي الأشكال التالية ومتى كان ذلك ممكنًا:
- الاستبعاد من عقود التعھيد / الشراء (وقتما وُجدت بدائل ملائمة)
- سحب الاستثمارات (من الصناديق / المؤسسات التي تستثمر في أسواق الأسهم العالمية)
- نشاطية المساهمين
- التقاضي الإستراتيجي
وهذا يختلف عن «المقاطعة» في عبارة حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، إذ تشمل المقاطعة في جملة تكتيكاتها حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية والرياضية، فضلًا عن المقاطعة الاستهلاكية، والعمل السلمي على تعطيل سير عمل المؤسسات وإزالة المنتجات عن الرفوف، الخ، وذلك في مواجهة الشركات التي تشكل أهدافًا لها الأولوية لدى الحركة.
الأسباب المنطقية
أُنشئت إسرائيل بوصفها مستعمرة استيطانية على أنقاض المجتمع الفلسطيني في أثناء نكبة التطهير العرقي التي حلّت بفلسطين في سنة 1948. فقد عمدت الميليشيات الصهيونية، والجيش الإسرائيلي من بعدها، إلى تهجير معظم أبناء الشعب الفلسطيني الأصلاني قسرًا من ديارهم وأراضيهم بطريقة مخططة وممنهجة، وتدمير المئات من قرانا وبلداتنا وحرمان لاجئينا من حقهم الأصيل الذي تقرره الأمم المتحدة في العودة وجبر الضرر الذي وقع عليهم. وفي سنة 1967، احتلت إسرائيل ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، وهي قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وارتكبت المزيد من أعمال التطهير العرقي بحق الفلسطينيين ومضت إلى بناء المستعمرات غير القانونية. ومنذ سنة 1948، لا تزال إسرائيل تفرض نظامًا قوامه الاستعمار الاستيطاني والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد على الشعب الفلسطيني.
وفي شهر يناير/كانون الثاني 2024، أكدت محكمة العدل الدولية وجود أسباب معقولة تحمل على الاعتقاد بأن إسرائيل تنتهك اتفاقية الإبادة الجماعية في غزة. وفي يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتيْ اعتقال طال انتظارهما بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق في الحكومة الإسرائيلية يوآف غالانت على خلفية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تُقترف في غزة.
وفي 20 سبتمبر/أيلول 2024، أصدرت اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل تفسيرًا مرجعيًا تناولت فيه الالتزامات القانونية التي تقع على عاتق الدول. وقالت اللجنة: «يقع على الدول واجب إجراء استعراض العناية الواجبة لجميع اتفاقيات النقل والتجارة مع إسرائيل، بما يشمل ودون الاقتصار على المعدات والأسلحة والذخائر والأجزاء والمكونات والمواد ذات الاستخدام المزدوج والتكنولوجيا لتحديد ما إذا كانت السلع أو التكنولوجيا المشمولة بعمليات النقل أو التجارة تسهم في الإبقاء على الاحتلال غير المشروع أو تُستخدم في ارتكاب الانتهاكات للقانون الدولي.
وفي شهر يوليو/تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا قضت فيه بأن الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، غير قانوني بكامله وأنه يُخلّ بالحظر المفروض على الأبارتهايد. وحسبما جاء على لسانكريغ مخيبر، كبير مسؤولي حقوق الإنسان السابق لدى الأمم المتحدة، لا يجعل هذا الحكم حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) «واجبًا أخلاقيًا وحقًا دستوريًا وحقًا من حقوق الإنسان فحسب، بل يحولها إلى التزام قانوني دولي.»
كما تُعدّ الشركات والمستثمرون ملزَمين بالوفاء بالالتزامات الأخلاقية والقانونية وحتى الائتمانية / المالية.
بناءً على كل ما تقدم، يقع جميع المستثمرين تحت التزام أخلاقي يملي عليهم سحب الاستثمارات من إسرائيل، التي تمثل دولة قائمة على الأبارتهايد تُخضع الملايين من أبناء شعب أصلاني لنظام وحشي قائم على الاحتلال العسكري، فضلًا عن ممارسة الضغط المؤسسي على الشركات التي تمكّن نظام الاضطهاد الذي تنفذه إسرائيل. ويتأكد هذا الالتزام بالنظر إلى ما تقوم به إسرائيل من اقتراف الإبادة الجماعية.
وتولي حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، بصفتها حركة تضم قطاعات متعددة وتربط حركة التحرر التي يخوضها الفلسطينيون بحركات الكفاح في سبيل العدالة العرقية وحقوق الشعوب الأصلانية والعدالة الاجتماعية والعدالة بين الجنسين والعدالة المناخية، الأولوية لممارسة الضغط المؤسسي على الشركات الضالعة في إنفاذ الهيمنة العسكرية واضطهاد المجتمعات الأخرى والفلسطينيين كذلك. وندعو إلى اعتماد سياسة أخلاقية للاستثمارات أو إجراءات عالمية تستند إلى حقوق الإنسان في تدقيق الاستثمارات، حيثما اقتضى الأمر ذلك، وحسبما تقترحه لجنة أمريكا لخدمات الأصدقاء (AFSC)، بغية منع الاستثمارات في جميع الشركات المتواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان.
يتحمل جميع الكيانات القانونية والأشخاص الطبيعيون، بمن فيهم المستثمرون، مسؤولية قانونية توجب عليهم الامتناع عن الضلوع في ارتكاب جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية.
وقد تواجه الشركات، ومجالس إداراتها ومديروها التنفيذيون كذلك، المسؤولية الجنائية بسبب التواطؤ في الجرائم الدولية، ولا سيما الجرائم الفظيعة (جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية).
ويُشترط على المستثمرين احترام حقوق الإنسان أيضًا. فهم ملزَمون بمنع الشركات من إفراز آثارها المباشرة على حقوق الإنسان والتخفيف منها، حسبما تحدده مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان وغيرها من آليات القانون الدولي ذات العلاقة (والناشئة).
لا تعدّ مباشرة الأعمال التجارية مع إسرائيل والاستثمار فيها مسألة غير أخلاقية وغير قانونية فحسب، بل تُعتبر غير مسؤولة ماليًا كذلك. فمنذ شهر يناير/كانون الثاني 2023، وقبل وقت ليس بالقصير من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، لم يزل الاقتصاد الإسرائيلي يشهد تراجعًا مطّردًا، وحادًا في بعض الأحيان، في ظل السيطرة الفعلية التي تبسطها الأحزاب اليمينية المتطرفة التي لا تخفي نزعتها الفاشية على الحكومة، مما يفضي إلى إسقاط القناع البالي «للديموقراطية» و«سيادة القانون» الذي تتستّر إسرائيل به . فمع الإبادة الجماعية، غدا اقتصاد إسرائيل يُظهر إشارات إلى «الانهيار» الوشيك. وباتت إسرائيل تتحول وبوتيرة متسارعة إلى ما تسميه حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) «أمة الشركات المغلقة» (#ShutDownNation)، بالنظر إلى المقدار الهائل من هروب رؤوس الأموال والمستوى الحاد من هجرة العقول وتضاؤل الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد «المنهار» الذي يفتقر إلى الأمان ويتسم بانعدام الاستقرار في عمومه. وينبغي أن يساعدنا هذا الواقع في حشد المستثمرين والمساهمين لمعارضة أي استثمار في إسرائيل أو في الشركات التي تمكّن نظامها القائم على الاضطهاد الاستعماري.