أولًا: مقدمة
نشأت المعايير الدولية بشأن المسؤوليات والالتزامات القانونية المترتبة على الشركات التي تعمل على المستوى الدولي في السنوات القليلة الماضية، وغدت المحاكم تعتمد «نظرة أشمل للمسؤولية القانونية.» ويتضح التعرض لهذه المسؤولية بوجه خاص في حالات النزاعات المسلحة، التي يزداد فيها خطر ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية.
ولا تنحصر المسؤوليات القانونية الملقاة على عاتق الشركات في القوانين المحلية، التي يقع موطنها ضمن نطاق اختصاصها أو تزاول عملها بموجبها. فقد تسري قوانين الدول الثالثة عليها كذلك. ولا يمكن إخضاع الشركات للمساءلة عن عملياتها التي تتنافى مع القانون فحسب، بل يتسنّى مساءلة جميع «أعضاء مجالس إداراتها أو مديريها التنفيذيين أو موظفيها» عن التجاوزات التي ترتكبها الشركة أو فرد من أفرادها. وقد تسري هذه المعايير نفسها على الهيئات الاستثمارية المؤسسية التي تستثمر في تلك الشركات.
وتُعنى سياسة الاستثمارات الأخلاقية التي يعتمدها أحد المجالس أو الشركات أو الصناديق الاستثمارية أو الجامعات أو غيرها من المؤسسات (فيما يلي، الكيان)، والتي يجب أن تتواءم مع قيم الكيان ومبادئه، إلى التأكد من أن استثماراته تُدار بطريقة مثمرة وعلى نحو مسؤول اجتماعيًا وأخلاقيًا وقانونيًا.
ويؤكد الكيان، باعتماده هذه السياسة الأخلاقية بشأن الاستثمارات، أنه لا يتربّح من الشركات التي لا تلتزم بمعايير أنشطة الأعمال التي تتحلى بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والقانونية أو من الأنشطة التي لا تتماشى في جوهرها مع قيمه، بما فيها مبادئه الأخلاقية في الاستثمارات، ولا يضخّ رأس المال فيها.
ولا يتربح الكيان، وعليه ألا يتربح، عن علم من الشركات الضالعة في الأنشطة التالية ولا يقدم رأس المال لها ولا يستثمر فيها:
- إنتاج الأسلحة أو أجزائها أو المعدات العسكرية.
- استخراج الوقود الأحفوري أو معالجته أو الاتّجار به.
- الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على الوجه الذي يعرّفه القانون الدولي (بما فيها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية).
وتتمثل المبادئ الرئيسية لسياسة الاستثمارات الأخلاقية لدى الكيان فيما يلي:
- تستند سياسة الاستثمارات الأخلاقية إلى افتراض مفاده أن المكان الذي يختار الكيان الاستثمار فيه يجب أن يكون متوائمًا مع أهدافه الإستراتيجية والتزاماته القانونية وقيمه البيئية والاجتماعية والأخلاقية.
- يتابع مديرو الاستثمارات/الأصول في الكيان استثماراته متابعة حثيثة للتأكد من التزامها الدائم بمعايير سياسة الاستثمارات الأخلاقية أدناه. وعلى وجه الخصوص، يُشترط على هؤلاء المديرين أن يقدموا مشورتهم المهنية التي تنأى عن الاستثمار في مجالات تُعدّ غير مقبولة من الناحية الأخلاقية أو القانونية حسب هذه المعايير.
ثانيًا: مبادئ الاستثمار
وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول، لا بد من مراعاة المسائل البيئية والاجتماعية ومسائل الحوكمة، بما فيها حقوق الإنسان، لضمان تواؤم قيم الكيان معها عندما يستثمر أمواله. ويتعين على الكيان ألا يستثمر عن علم في الشركات التي تشكل أنشطتها وممارساتها خطرًا يهدد بإلحاق ضرر جسيم بالأفراد أو الجماعات أو البيئة.
وتستند مبادئ الاستثمار التي يرعاها الكيان إلى مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول والاتفاق العالمي للأمم المتحدة ومبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان.
وتقوم مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان على الاعتراف بثلاثة ركائز: التزام الدولة بتأمين الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان، ومسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، وضمان وصول ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان إلى سبل الانتصاف. «وتنطبق هذه المبادئ التوجيهية على جميع الدول وجميع المؤسسات التجارية، سواء كانت عبر وطنية أو غير عبر وطنية، بغض النظر عن حجمها وقطاعها وموقعها وملكيتها وهيكلها.»
ووفقًا للفريق العامل المعني بمؤسسات الأعمال وحقوق الإنسان، «بموجب المبادئ التوجيهية، تتحمل جميع المؤسسات التجارية مسؤولية احترام حقوق الإنسان، وتُعتَبَر عملية بذل العناية الواجبة لمراعاة حقوق الإنسان شرطًا أساسيًا للوفاء بهذه المسؤولية.» ويجب على الشركات أن تسعى إلى توخّي العناية الواجبة المعززة لمراعاة حقوق الإنسان في حالات النزاع وأن تحول دون الآثار السلبية على حقوق الإنسان، والتي جرى تحديدها في جميع إجراءات بذل العناية الواجبة لمراعاة حقوق الإنسان، وأن تخفف من وطأتها. وهذا يشمل الآثار المتعلقة بأنشطة الشركات نفسها «أو نتيجة لعلاقاتها التجارية مع أطراف أخرى.»
وبناءً على ما تقدم، وضعت الأمم المتحدة مبادئ الاستثمار المسؤول لتوجيه الشركات والشركات الاستثمارية.
(1) مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول
يقع على المؤسسات الاستثمارية واجب التصرف على نحو يحقق المصلحة الفضلى طويلة الأمد للمستفيدين منها. وفي هذا الدور الائتماني، تدرك هذه المؤسسات أن المسائل البيئية والاجتماعية ومسائل الحوكمة قد تؤثر في أداء المَحافظ الاستثمارية (بدرجات متفاوتة بين الشركات والقطاعات والمناطق وفئات الأصول مع مرور الوقت).
كما تدرك المؤسسات الاستثمارية أن تطبيق هذه المبادئ ربما يؤدي إلى الارتقاء بتوافُق المستثمرين وتواؤمهم مع الأهداف الأعم للمجتمع. ولذلك، تلتزم هذه المؤسسات بالمبادئ التالية لكي توفّق بين مسؤولياتها الائتمانية والتزاماتها القانونية والأخلاقية:
- المبدأ الأول: دمج المسائل البيئية والاجتماعية ومسائل الحوكمة ضمن تحليل الاستثمارات وإجراءات اتخاذ القرارات.
- المبدأ الثاني: الحيلولة دون الضلوع في انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من خلال إدراج إجراءات تقييم مخاطر الاستثمارات في حالات النزاعات المسلحة.
- المبدأ الثالث: الاضطلاع بالمسؤوليات بفعالية ودمج المسائل البيئية والاجتماعية ومسائل الحوكمة في سياسات الملكية وممارساتها.
- المبدأ الرابع: السعي إلى الكشف بصورة مناسبة عن المسائل البيئية والاجتماعية ومسائل الحوكمة من جانب الكيانات التي تستثمر فيها.
- المبدأ الخامس: الحث على قبول المبادئ وتطبيقها داخل صناعة الاستثمار.
- المبدأ السادس: العمل معًا على النهوض بفعالية تنفيذ المبادئ.
- المبدأ السابع: إصدار التقارير المتعلقة بالأنشطة ومدى التقدم على صعيد تنفيذ المبادئ.
مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول: بُعد حقوق الإنسان
تتحمل جميع الكيانات القانونية والأشخاص الطبيعيون المسؤولية القانونية بالامتناع عن الضلوع في ارتكاب جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية. ويُشترط على المؤسسات الاستثمارية احترام حقوق الإنسان من خلال مجموعة من المتطلبات السياساتية والإجرائية، على الوجه الذي تبيّنه مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية.
تُعدّ عوامل حقوق الإنسان من المسائل المهمة التي ينبغي للمستثمرين وضعها في الاعتبار نظرًا لإمكانية تأثيرها على العوائد المالية. فمثلًا، قد تتكبد الشركات تكاليف تشغيلية وقانونية مرتفعة بسبب النزاع المسلح (بما تشمله من تزايد مخاطر انتهاك حقوق الإنسان)، والاضطرابات المدنية والانتهاكات المرتبطة بتدهور البيئة، ومسؤوليات محتملة أخرى، بما فيها تلك المتعلقة بمخاطر السمعة، حسبما يتبين أدناه.
يبدي عدد متزايد من المستفيدين من أصحاب الأصول الاهتمام في ضمان استثمار أموالهم على نحو يتماشى مع قيمهم، بما فيها احترام حقوق الإنسان.
تتابع وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان والحملات على مستوى القاعدة الشعبية أنشطة الشركات وعملياتها ومن يستثمرون فيها. فإذا اكتُشف أن شركة ضالعة في انتهاكات حقوق الإنسان، فقد يفضي ذلك إلى استقطاب قدر كبير من الاهتمام أو حتى إطلاق حملات مؤثرة لمقاطعة تلك الشركة أو المؤسسات التي تستثمر فيها أو كليهما وسحب الاستثمارات منها. وتنسحب مخاطر السمعة على هاتين الجهتين معًا. ولذلك، يساعد احترام حقوق الإنسان أيضًا في تأمين الحماية من الأضرار التي قد تلحق بالسمعة وما يترتب عليها من أضرار مالية.
(2) مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان
وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية، يتعين على الشركات:
- تعزيز حقوق الإنسان واحترامها،
- والتأكد من أنها لا تتسبّب في انتهاكات حقوق الإنسان أو تسهم فيها، ومعالجة الآثار السلبية التي تكون ضالعة فيها أو ترتبط بها. وفي بعض الحالات، قد تقتضي الضرورة وضع حد لعمليات الشركة أو علاقاتها. وقد يأتي ذلك أيضًا بناءً على توجيهات الدول. كما تشير مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية إلى أنه «ينبغي أن تحترم المؤسسات، في حالات النزاع المسلح، معايير القانون الدولي الإنساني.»
وتشدد مبادئ الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول على أن: «مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية تشترط على المؤسسات الاستثمارية الاضطلاع بمسؤولية تتألف من ثلاثة محاور بغية احترام حقوق الإنسان:
يجب على المستثمرين وضع سياسة لاحترام حقوق الإنسان، بحيث يجري اعتمادها على أعلى المستويات وتعميمها في المؤسسة بجميع فروعها بغية الاسترشاد بها في القرارات الاستثمارية والحوارات على المستويين السياساتي والإداري.
- ينبغي للمستثمرين إدارة الآثار السلبية الفعلية والمحتملة على حقوق الإنسان. ويجب أن تَرِد هذه الاعتبارات في إجراءات اتخاذ القرارات الاستثمارية، بما يشمل بناء المحافظ، واختيار الأوراق المالية وتوزيعها، واختيار المديرين الخارجيين/الصناديق وغيرهم من مقدمي الخدمات وتعيينهم ومراقبتهم، أو أي من هذه الأمور.
على المستثمرين تمكين الأشخاص المتضررين من قراراتهم الاستثمارية من الوصول إلى سبل الانتصاف أو تيسير فرص وصولهم إليها. وبالنسبة للنتائج التي يكون للمستثمرين صلة مباشرة بها من خلال الشركات التي يستثمرون فيها، يجب عليهم أن يضمنوا أن هذه الشركات تؤمّن سبل الانتصاف للأشخاص المتضررين.»
ثالثًا: المتابعة
على الكيان أن يعمل، في سبيل إنفاذ التزامه بسياسة الاستثمارات الأخلاقية، على:
- نشر سياسة الاستثمارات الأخلاقية على موقعه الإلكتروني بعد إقرارها.
- تكليف مدير/دائرة محددة بالمسؤولية عن مراقبة إنفاذ السياسة وفعاليتها، حيث يشترط عليه أن يرفع تقريرًا بآخر المستجدات كل ثلاثة أشهر إلى الكيان ويقدم المشورة بشأن الاستثمارات التي تتعارض مع سياسة الاستثمارات الأخلاقية.
- نشر قائمة بالأصول التجارية التي يملكها الكيان على موقعه الإلكتروني، وضمان الشفافية الكاملة في عمليات هذه الأصول والعلاقات التجارية الرئيسية المرتبطة بها.
«قد تتحمل الشركات ومديروها وأعضاء مجالس إداراتها وغيرهم من القائمين عليها المسؤولية المباشرة أيضًا عن ارتكاب أعمال الإبادة الجماعية، فضلًا عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وتنص المادة السابعة من اتفاقية الإبادة الجماعية على جواز إخضاع «الأشخاص» للمساءلة عن أعمال الإبادة الجماعية – بمن فيهم فرادى رجال الأعمال أو مديرو الشركات بصفتهم أشخاصًا طبيعيين، ويجوز أن تشمل المساءلة الشركات بصفتها أشخاصًا اعتباريين. وبينما لا تملك المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية على الهيئات الاعتبارية، فقد يقع موظفو الشركات بصفتهم أشخاصًا طبيعيين تابعين للدول الأطراف في نظام روما الأساسي ضمن ولايتها. ووفقًا للمادة 25(3)(ج) من نظام روما الأساسي، يجوز للمحكمة أن تحاكم الأشخاص الذين ييسّرون ارتكاب الجرائم، بطرق منها توفير وسائل ارتكابها. [...] وفي حالة النزاعات المسلحة، يسري المزيد من قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي على الشركات وفرادى أصحاب الأعمال التجارية، الذي يتعين عليهم أن يراعوا ما إذا كانت عملياتهم تسهم في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو الجرائم الدولية.»
Obligations of Third States and Corporations to Prevent and Punish Genocide in Gaza, 5 June 2024, p.2
التعليق على مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية، المبدأ 13.
«يجب على الدول الثالثة التي تشارك في أنشطة تجارية مع شركات يُحتمل أنها ضالعة في أعمال الإبادة الجماعية في غزة، من خلال المشتريات العامة أو بصفتها مساهمة أو من خلال صناديق التقاعد العامة أو غيرها من الاستثمارات مثلًا، أن تلغي هذه العقود وتستبعد تلك الشركات. كما يجب على صناديق التقاعد أن تسحب استثماراتها من البنوك الإسرائيلية وشركة سندات إسرائيل (Israel Bonds) وغيرها من المؤسسات المالية بحكم ارتباطها بالمستوطنات غير القانونية والانتهاكات الأخرى للقانون الدولي.» مقتبس من رأي الخبيرة:
Obligations of Third States and Corporations to Prevent and Punish Genocide in Gaza, 5 June 2024, p. 35.
فمثلًا، تدعو الفتوى التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 الدول إلى «اتخاذ خطوات لمنع العلاقات التجارية أو الاستثمارية التي تساعد في الإبقاء على الوضع غير القانوني الذي أفرزته إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة.» الفقرة 278.
مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية، التعليق على المبدأ 12.
"في حالات النزاع المسلح، يزداد خطر انتهاكات حقوق الإنسان، ويجب بالتالي تعزيز المتطلبات التي تفرض على الشركات الضالعة في هذه الحالات بذل العناية الواجبة. ووفقًا لخبراء قانونيين، «بالنسبة للشركات والمؤسسات التي تستثمر فيها، يتيح فهم الممارسات التي تراعي النزاعات وترد ضمن القانون الدولي الإنساني واحترامها لتلك الشركات والمؤسسات فرصة أكبر لإدارة مخاطر الاستثمار وتشجيع الممارسات الفضلى واحترام حياة المتضررين من النزاع المسلح وصون كرامتهم.»