نظرة عامة
تخضع المجتمعات الأصلانية في شتى أرجاء فلسطين التاريخية لسياسة الفصل العنصري (الأبارتهايد) التي تنفذها إسرائيل في قطاع المياه في الوقت الذي تتربح فيه شركاتها العاملة في قطاعات المياه والتجارة الزراعية من الموارد الطبيعية الفلسطينية التي تسرقها. ومنذ شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتعرض الفلسطينيون في غزة للإبادة الجماعية، بما تشمله من السياسات القسرية التي تعنى بتعطيشهم وتجويعهم. وتمنع إسرائيل إدخال جميع المعونات وتواصل استهدافها وقصفها، بحيث تستخدم المياه والغذاء كما لو كانا سلاحين.
وفي الوقت ذاته، تصوّر شركات «ميكوروت» و«أداما» و«نيتافيم» وغيرها من شركات المياه والشركات التجارية الزراعية الإسرائيلية نفسها كما لو كانت تقدم التكنولوجيا «المستدامة» في الوقت الذي تفرض فيه نماذج قائمة على الاستغلال في شتى بلدان الجنوب.
وتتواطأ هذه الشركات في النظام الإسرائيلي القائم على الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد والاحتلال، وتروّج تقنياتها في الخارج بأفكار عنصرية، من قبيل الأسطورة المؤسِّسة التي تروجها إسرائيل حول «تحويل الصحراء إلى واحة مزدهرة.»
وتربط الحملة، التي تناهض ما تقوم به إسرائيل من تمويه أخضر يرمي إلى تبييض صفحة الإبادة الجماعية التي تقترفها ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه، حركة التحرير التي يخوضها الفلسطينيون بالصراعات التي تدور رحاها حول المياه والأراضي والأمن الغذائي في مختلف أنحاء العالم.
الشعب الأصلاني من فلسطين إلى العالم بأسره متعطش للعدالة!
لماذا؟
يُعَدّ الحرمان من المياه محورًا أساسيًا من أعمال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في غزة. وتستند أعمال الإبادة الجماعية هذه التي تقوم على الحرمان من إمكانية الحصول على المياه إلى سياسة إسرائيلية طويلة الأمد قوامها نهب المياه والأبارتهايد لتحقيق هدف صريح يتلخص في تطهير السكان الفلسطينيين عرقيًا أو تدميرهم بطرق أخرى.
وتحتل الجهات الفاعلة التجارية ومؤسسات الدولة الإسرائيلية، كشركة «ميكوروت،» وهي شركة المياه الوطنية في إسرائيل، والشركات الأخرى، كشركتي «نيتافيم» و«وأداما»، أهمية حاسمة في تنفيذ هذه الجرائم الفظيعة والسياسات القائمة على الأبارتهايد والتربح منها.
وتتواطأ هذه الشركات نفسها في فرض نماذج ترتكز على الاستغلال في الزراعة وخصخصة المياه وفرض المواد الكيماوية الزراعية السامة على المزارع في شتى أرجاء العالم، وخاصة في بلدان الجنوب. وقد أفضت القرون الممتدة من الاستعمار والنظام النيوليبرالي المعاصر إلى نشر الخراب في المجتمعات الأصلانية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وتتماشى الشركات الإسرائيلية تمامًا مع هذه المنظومة القائمة على الحرمان، مما يعزز النضال المشترك ضدها.
يملك الصندوق القومي اليهودي، الذي أُنشئ في سنة 1901 باعتباره أداة من أدوات الاستعمار الصهيوني في فلسطين التاريخية ما نسبته 13 في المائة من الأراضي التي تعود ملكيتها للاجئين الفلسطينيين الذين طُردوا من ديارهم في أثناء النكبة التي حلّت بفلسطين في سنة 1948. ويشارك هذا الصندوق في عضوية مجلس أراضي إسرائيل الذي يدير 93 في المائة من الأراضي التي تسيطر إسرائيل عليها ضمن حدودها القائمة قبل سنة 1967. وقد غرس الصندوق في هذه الأراضي الملايين من أنواع الأشجار الدخيلة والنباتات الغازية، مما ألحق ضررًا هائلًا بالتنوع الحيوي فيها. وصُممت الغابات التي يزرعها الصندوق أساسًا لإخفاء أنقاض القرى الفلسطينية التي تعرضت للتطهير العرقي.
«ميكوروت» هي الشركة الوطنية التي تعتمدها إسرائيل القائمة على الأبارتهايد في نهب المياه واستعمارها.
و«تبيع» شركة «ميكوروت» المياه، بعدما تيسّر سرقة الموارد الطبيعية وتدمير طبقات المياه الجوفية في فلسطين، للفلسطينيين، بمن فيهم سكان غزة حتى سنة 2023، بأسعار مبالغ فيها، مما يفضي إلى دوام سياسات الأبارتهايد في قطاع المياه. وتندرج الشركة ضمن قاعدة بيانات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالشركات المتواطئة في المستعمرات الإسرائيلية التي تنتفي الصفة القانونية عنها.
وتمارس شركة «ميكوروت» الضغوط من أجل خصخصة المياه على المستوى العالمي، كما تسعى إلى استغلال قضايا المياه كغطاء لإخفاء الجرائم التي تقترفها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الأصلاني من خلال تسويق حلول زائفة في شتى أرجاء العالم، بما يشمل دولًا كالأرجنتين والبرازيل والمكسيك وأوروغواي وإيطاليا.
وتتصدى المنظمات على مستوى القاعدة الشعبية، التي تدافع عن الموارد المشتركة وترسي دعائم التضامن مع مسيرة الكفاح التي يخوضها الفلسطينيون في سبيل التحرر، لهذه العقود التي تفرض سياسة الأبارتهايد في قطاع المياه على الفلسطينيين وتصدّر النماذج التي ترسخ أوجه انعدام المساواة القائمة، وتسجل الانتصارات عليها.
تقدّم شركة «نيتافيم» أنظمة الري للمستعمرات الإسرائيلية المقامة بلا وجه قانوني على الأراضي الفلسطينية المسروقة. وتتعاون الشركة مع شركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية وتتربح من مواءمة تقنياتها العسكرية وإضفاء الطابع التجاري عليها من أجل استخدامها في الأعمال التجارية الزراعية القائمة على الاستغلال.
كما تسوّق شركة «نيتافيم» تقنياتها غير المستدامة والاستغلالية بوصفها «حلولًا مستدامة» بغية إبرام عقود مع الحكومات في مختلف أنحاء العالم وتنفيذ الدبلوماسية الزراعية الإسرائيلية، ولا سيما في بلدان الجنوب.
ففي أفريقيا، تعمل شركة «نيتافيم» وغيرها من شركات الأعمال التجارية الزراعية الإسرائيلية على جلب المشاريع بنظام تسليم المفتاح، والتي تمهد الطريق نحو ممارسة المزيد من الأعمال مع إسرائيل، بما فيها بيع الأسلحة. ويعارض الناشطون ومنظمات المجتمع المدني في شتى أرجاء القارة، من جنوب أفريقيا مرورًا بتونس ووصولًا إلى أنغولا وموزامبيق، هذه الدبلوماسية الزراعية التي تستغل المجتمعات المحلية وتوفر الغطاء لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي.
ويعارض المزارعون في الهند تقنيات شركة «نيتافيم» «التي تدمر البيئة.»
لا تزال منتجات حماية المحاصيل التي تصنّعها الشركة الإسرائيلية التابعة «أداما مختيشيم» تُستخدم في التجارب الزراعية التي تجريها معاهد البحوث التي يديرها المستعمِرون في منطقة الأغوار والضفة الغربية المحتلة والجولان السوري المحتل. ففي سياق مؤتمر وجولة نظمهما مركز البحوث والتطوير في الأغوار في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2016، عرض ممثل عن الشركة بحثًا عن سُمِّية منتجها «نيمتز» (Nimitz)، وهو مبيد لمكافحة الديدان الخيطية وجرى اختباره في المستعمرات المقامة في الأغوار. كما استُخدمت منتجات الشركة في التجارب الزراعية التي أجراها مركز البحوث والتطوير نفسه خلال الفترتين 2017-2018 و2015-2016. وتنفَّذ هذه التجارب أيضًا في مستعمرة تومر ومنشآت البحوث والتطوير التابعة للمركز نفسه في منطقة الأغوار. وفضلًا عن ذلك، استُخدمت منتجات الشركة في تجربة زراعية أجراها معهد دراسة الجولان في حرم جامعة حيفا في قصرين بالجولان السوري المحتل في سنة 2013. وتوظف الشركة مختصين إقليميين في الأغوار والجولان السوري، ولها موزعون معتمدون في مستعمرتي أفني إيتان في الجولان ومستعمرتي تومر ونعما في الأغوار.
وتستخدم إسرائيل مبيدات الآفات باعتبارها شكلًا من أشكال الحرب التي تشنها على الشعب الفلسطيني، كما هو مبين بالتفصيل في التقرير المعنون «حرب المبيدات في غزة» (Herbicidal War in Gaza) الذي نشره مشروع بنية الأدلة الجنائية Forensic Architecture))، وهو هيئة أبحاث تتخذ من غولدسميثز، جامعة لندن، مقرًا لها.