"فلسطين هي حقًّا مركز العالم" – أنجيلا ديفيس
أعلنت الإدارة الأميركية بشكل أحادي عن ما يُسمّى "مجلس السلام" في غزة، بقيادة الرئيس الأمريكي ترامب، في بيان تجاهل تمامًا أي ذكر للشعب الفلسطيني. يزدحم هذا المجلس بالسياسيين وأصحاب المليارات المؤيدين لإسرائيل، ويُنصَّب فيه مبعوث أممي سابق منحاز لإسرائيل وخاضع لسيطرة النظام الإماراتي الاستبدادي واليًا استعماريًا على قطاع غزة المحتل، للإشراف على لجنة "تكنوقراط" فلسطينية.
تدين وترفض اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، أوسع ائتلاف في المجتمع المدني الفلسطيني وقيادة حركة المقاطعة عالميًا (BDS)، هذه المحاولة المقنّعة الهادفة إلى تطبيع الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة، وإعادة تأهيل نظام إسرائيل الاستعماري والإبادي، وإنقاذه من عزلته الدولية. مهما تفاقمت المؤامرات، لن يتخلى شعبنا الفلسطيني الأصيل عن حقوقه غير القابلة للتصرف.
إن طموحات الرئيس الأمريكي، الذي نصّب نفسه إمبراطورًا على العالم، تتجاوز غزة بكثير، وهو ما اتضح في هجومه على فنزويلا ومحاولاته المستمرة في الاستيلاء على ثرواتها، وخططه المطروحة لاحتلال جزيرة غرينلاند. كما أن رغبته في استبدال الأمم المتحدة تدريجيًا بـ "مجلس السلام" من أجل "التوسّط" في النزاعات العالمية وفرض سياساته على الدول الأضعف، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الاستراتيجية الأميركية–الإسرائيلية المراد تطبيقها في غزة يُراد أيضاً تعميمها على مستوى العالم. تتبع هذه التجاوزات وغيرها استراتيجية «الصدمة والرعب»، ولكنها في جوهرها تشير إلى بداية نهاية النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية.
كما حذّر المجتمع المدني الفلسطيني منذ بداية الإبادة الجماعية المتلفزة التي ترتكبها إسرائيل ضد شعبنا في قطاع غزة، وكما قال الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو: "غزة ليست سوى التجربة الأولى في النظر إلينا باعتبارنا جميعًا يمكن التخلص منا". ولم يكن من الممكن لعقيدة "دونرو" التي تبنّاها ترامب، والتي تنتهك القانون الدولي، أن ترى النور لولا "تجربة" غزة، ذلك لأنه "في عالم لا تعتبر فيه حتى الإبادة الجماعية خطًا أحمر، لا وجود لأي خطوط حمراء أصلًا"، كما يقول كريغ مخيبر، المسؤول الأممي البارز السابق في مجال حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. إن الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، والتي مكّنتها وسلّحتها الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى الغربية، تُطبّع حقبة "القوة تصنع الحق" بأشد أشكال العنف الاستعماري غير المسبوق. ولا بدَّ لأي دولة، حتى وإن كانت من بين القوى الاستعمارية الأوروبية الآخذ بؤسها في الازدياد، تظن أنها في مأمن، أن تعيد النظر في موقفها.
إن ادعاء الحكومة الفاشية الإسرائيلية، المثير للسخرية، القائل إن "مجلس السلام" الذي طرحه ترامب لم يكن بالتنسيق معها، لا يقنع أحدًا. فهذا المجلس جزء من خطة نتنياهو- ترامب الإبادية لتشكيل تحالف "دولي" ظاهرياً للسيطرة على غزة بالنيابة عن النظام الإسرائيلي، الذي فشل، على الرغم من جرائمه المروّعة، في إخضاع الشعب الفلسطيني أو انتزاع تنازله عن حقوقه. وتهدف الخطة إلى منح إسرائيل غطاءً دوليًا لمواصلة ارتكاب الإبادة الجماعية، ولو بشكل أقل وضوحًا وحدّة، بما يشمل استمرار عمليات القتل والحرمان الممنهج من الغذاء الكافي والمياه النظيفة والسكن والخدمات الصحية وغيرها. فمنذ نكبة العام 1948، كان الهدف الثابت الذي وضعته إسرائيل والحركة الصهيونية يتمثّل في تحقيق التطهير العرقي لأكبر عدد ممكن من الشعب الفلسطيني الأصلاني. وعليه، يجب محاسبة كل دولة أو فرد يشارك في "مجلس السلام" بسبب تواطؤه في الإبادة الجماعية ونظام الاستعمار الاستيطاني والاحتلال العسكري والأبارتهايد الإسرائيلي. ونعيد التأكيد على ما قلناه عند الإعلان عن هذه الخطة لأول مرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025:
"إنّ حقوق الشعب الفلسطيني الأصلاني غير القابلة للتصرّف، وهي حقوق متأصلة نصّ عليها القانون الدولي، ولا يمكن إلغاؤها أو انتزاعها أو إعادة تعريفها من قبل أي مجرم إبادة مُختل مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، أو أي شخص نصّب نفسه إمبراطورًا على العالم وكان ينبغي أن يُحاكم - في عالم أكثر عدًلا - أمام المحكمة الجنائية الدولية، أو أي طاغية أو نظام استبدادي إقليمي. إنّ تفكيك نظام الاحتلال العسكري غير القانوني والأبارتهايد والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي شرط أساسي حتى يتمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه، بما في ذلك حق تقرير المصير وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هُجّروا منها وفي التعويض".
إنّ تشكيل موجة عالمية لمقاومة المخططات الإمبريالية الأميركية بات اليوم ضرورة وجودية للبشرية، لإنقاذنا جميعًا من هاوية الانعدام الشامل للقانون الدولي، والمعاناة الهائلة، وربما حرب نووية. ويتطلب ذلك تعبئة جماهيرية تقاطعية واسعة تقودها الحركات القاعدية ومنظمات المجتمع المدني حول العالم، للضغط على الدول كي تتصدى بشكل جدي لنظام "القوة تصنع الحق". لكن لا بد أن يدرك الجميع الآن أن المرحلة الراهنة من الإمبريالية الأمريكية – غير المسبوقة في تخليها الكامل عن أي ادعاءات تتعلق بحقوق الإنسان أو الديمقراطية أو السلام – تقوم على مبادئ وعقائد وآليات جرى تجريبها أولًا على الفلسطينيين، ودعّمتها "تجربة" الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة و"الإفلات التام من العقاب". ولإيقاف الإمبراطورية، يجب أولًا إيقاف إسرائيل ومحاسبتها محاسبة جدية.
ينبغي على الأغلبية العالمية أن تفرض خطوطًا حمراء على المحور الإبادي الأميركي–الإسرائيلي كخطوة ضرورية لضمان سيادة القانون الدولي في كل مكان. وهذا يعني إنهاء الإبادة الجماعية الإسرائيلية وفرض عقوبات قانونية صارمة للمساهمة في تفكيك الأسباب الجذرية للإبادة الجماعية، أي نظام الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد والاحتلال العسكري الإسرائيلي المستمرّ منذ عقود. وعلى وجه الخصوص، يتعيّن على التحالفات الدولية المفوّضة بمناهضة الاستعمار وتمثيل الدول المتضررة من سياسات المحور الأميركي–الإسرائيلي، مثل حركة عدم الانحياز، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الإفريقي، ومجموعة لاهاي، وغيرها، أن تتوحّد وتتحرك الآن. وتحقيقًا لهذه الغاية، تدعو حركة المقاطعة (BDS) إلى ممارسة الضغط على جميع الدول من أجل:
1) التأكيد على سيادة القانون الدولي وشمولية تطبيقه عالميًا: صون حقوق السيادة وتقرير المصير من خلال اتخاذ موقف حاسم ضد العدوان وجميع الجرائم الدولية وضد مرتكبيها. وهذا يتطلب إعادة رسم الخطوط الحمراء، وإنهاء معاناة شعبنا المتمثلة بـ "تجربة غزة"، وضرب مثال في محاسبة الدول المارقة والأنظمة الخارجة عن القانون والتي تمارس العدوان أو الإبادة الجماعية أو الأبارتهايد في أي مكان.
ويجب أن يبدأ ذلك بقطع العلاقات العسكرية والاقتصادية والتجارية والدبلوماسية والأكاديمية مع النظام الاستعماري الإسرائيلي العنصري، كما طالب العديد من خبراء حقوق الإنسان الأمميين، وبوصفه نظاماً مارقاً يتحدّى القانون الدولي ويهدّد أسسه. فمنذ إعلان تأسيسها كمستعمرة-استيطانية على أرض فلسطين، انتهكت إسرائيل ميثاق الأمم المتحدة وعددًا من قرارات الأمم المتحدة بما يفوق أي دولة أخرى، كما قتلت عددًا من موظفي الأمم المتحدة ودمّرت منشآتها أكثر من أي دولة أخرى في التاريخ (بما في ذلك تدميرها مقر الأونروا الرئيسي في القدس المحتلة مؤخرًا)، ومزّقت حرفيًا ميثاق الأمم المتحدة، وتقود اليوم الهدم الممنهج (وهو مجال تخصصها!) للقانون الدولي.
2) رفض مجالس ترامب لـ "السلام"، وفي المقابل حماية وإصلاح الأمم المتحدة ومؤسساتها: تفعيل آليات الأمم المتحدة بشكل فوري لمواجهة حقبة تلبس فيها القوة لباس الحق، والعمل على تفكيك الهيمنة الاستعمارية داخل الأمم المتحدة لجعلها أكثر تمثيلًا للأغلبية العالمية وأقل خضوعًا أو قابلية للابتزاز من قبل الأنظمة الاستعمارية وتلك المتورطة في الاستعمار، والاستعمار الجديد، والعدوان، والجرائم الوحشية.
3) تأكيد حق الشعوب في الحصول على التعويضات عن ويلات الاستعمار (بما في ذلك العبودية): هناك حاجة إلى تقييم عادل ودقيق لنطاق التعويضات من أجل إلغاء الديون الوطنية كسداد جزئي، حيثما انطبق ذلك، وإلزام القوى الاستعمارية السابقة والحالية بدفع الثمن اللازم لإعادة الإعمار والتنمية السيادية الحقيقية في فلسطين وعموم الجنوب العالمي.
وندعو إلى تصعيد جميع أشكال الضغط عبر المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، وإلى تشكيل أوسع التحالفات التقاطعية الممكنة لدعم ما سبق. إن إنقاذ البشرية ليس، بطبيعة الحال، مهمة الفلسطينيين وحدهم. لكن بما أن "فلسطين أصبحت الاختبار الحاسم لحقوق الإنسان"، كما قال الحقوقي الجنوب إفريقي جون دوغارد، فإننا نقرع ناقوس الخطر: يجب محاسبة إسرائيل لوقف هيمنة الإمبراطورية الأميركية والعمل من أجل تحقيق العدالة والسلام الحقيقيين للجميع، وإلا فإن البشرية جمعاء ستخسر كل شيء.