انخرطت إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها (اللوبي الإسرائيليّ)، منذ سنوات مضت، في نشاطٍ مكثّف في حماية إسرائيل من المساءلة من خلال استخدام نفوذها في الغرب لحظر المعارضة المُنظمّة لإسرائيل. وكان من أبرز هذه الجهود الحملة الإسرائيليّة لتجريم الدعوات إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها بسبب انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان. ونتيجةً لذلك، أصبح هناك عدد لا يحصى من القوانين والسياسات في مختلف الولايات المُتحدّة الأمريكيّة، والغرب على نطاقٍ أوسع، تدوس على الأعراف والمبادئ الدستوريّة الأساسيّة وحقوق الإنسان المكفولة دولياً دفاعاً عن إفلات إسرائيل من العقاب. ولكن، أصدرت محكمة العدل الدوليّة في شهر يوليو/أيلول الماضي رأيها الاستشاريّ الذي سيساهم في تغيير الوضع القائم.
في قرارها التاريخيّ، وجدت محكمة العدل الدوليّة أن الاحتلال العسكريّ الإسرائيليّ لقطاع غزّة والضفة الغربيّة، بما فيها القُدس الشرقيّة، غير شرعيّ برمّته، وأن إسرائيل ترتكب سياسة الفصل العنصريّ (الأبارتهايد)، وأن جميع الدول مُلزمة [قانونيّاً] بالمساعدة في إنهاء ذلك، من خلال قطع جميع العلاقات الإقتصاديّة والتجاريّة والاستثماريّة مع إسرائيل في الأرض الفلسطينيّة المُحتلّة. وبكلماتٍ أخرى، بموجب القانون الدُوليّ، فإن جميع الدول مُلزمة بالمشاركة في المقاطعة الإقتصاديّة لجميع الأنشطة الإسرائيليّة في الأرض الفلسطينيّة المُحتلّة، والانسحاب من أيّ علاقات اقتصاديّة قائمة هناك.
ولأن المحكمة كانت مقيدة بمعايير الطلب المقدم إليها من الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي أدى إلى صدور نتائجها، فإنها لم تتطرق إلى الواجبات والالتزامات المتعلقة بالأنشطة داخل الخط الأخضر لعام 1948. ومع ذلك، فإن البيان الرسمي للمحكمة بشأن متطلبات القانون الدولي يوضح بشكلٍ لا لُبس فيه أن أنصار حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) لا يتمتعون فقط بالموقف المتفوّق أخلاقياً لاستمرار حملاتهم بل أيضًا بأساس راسخ في القانون الدولي.
ويأتي الرأي الاستشاري للمحكمة في يوليو/تموز الماضي في أعقاب بدء إجراءات [محاكمة] الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في مايو/أيار بإصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الإبادة. ويُمثّل هذان الأمران معاً تحولاً تاريخياً بعيداً عن 76 عاماً من الاستثنائيّة الإسرائيليّة والإفلات من العقاب اللذان رعاهما الغرب، ممّا يغذيّ الأملٍ بعصرٍ جديدٍ من المساءلة.
وعندما أدركت إسرائيل، فضلاً عن حلفائها الغربيين المتهمين بالتواطؤ في الجرائم الدولية التي ترتكبها (ومن بينهم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا)، هذه الحقيقة، سارعت إلى معارضة وتأخير وعرقلة الإجراءات التي تتخذها هذه المحاكم، سواء بالتدخل في إجراءات المحكمة، أو في بعض الحالات بتهديد مسؤولي المحكمة. والواقع أن عملية إصدار مذكرة التوقيف من قِبَل المحكمة الجنائية الدولية تأخرت بالفعل بشكل غير عادي مقارنة بالقضايا السابقة. ومع ذلك، فقد جاء الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في الوقت المناسب ولا هوادة فيه في تطبيق القانون الدولي على إسرائيل.
تزعُم إسرائيل وحُلفاؤها، بشكل دفاعي، أن الرأي الاستتشاريّ لمحكمة العدل الدوليّة "غير مُلزم"، وفي الواقع، فإن المحكمة لا تستطيع إجبار دولة على الامتثال لاستناجاتها. ولكن ما يتجاهله هذا التكتيك الإسرائيليّ هو أن القوانين التي تشير إليها المحكمة في رأيها الرسمي مُلزِمة في الواقع لجميع الدول. على سبيل المثال، أشارت المحكمة إلى أن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وحقوقهم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، وحظر استيلاء إسرائيل على الأراضي بالقوة، تفرض جميعها ما يسمى بالتزامات "erga omnes" (تجاه الجميع)، أي التزامات ملزمة تنطبق على جميع الدول..
ومن بين هذه الالتزامات الواجب بعدم الاعتراف بالاحتلال أو مساعدته بأي شكل من الأشكال، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق المساواة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني. ويترتب على ذلك أن أي سياسات أو أفعال من جانب دولة غربية تعترف بأي شكل من الأشكال بالاحتلال الإسرائيلي، أو تساعد إسرائيل في ذلك الاحتلال (اقتصادياً أو عسكرياً أو دبلوماسياً، إلخ)، أو تحظر على الأشخاص الخاضعين لولايتها القضائية احترام القانون الدولي من خلال مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني أو سحب الاستثمارات منه، ستكون غير قانونية.
بطبيعة الحال، من المتوقع أن ترفض الولايات المُتحدة الامريكيّة – والتي تجاهلت لمدّة طويلة تطبيق القانون الدوليّ واستثمرت عقوداً من الجهد في إيجاد الاستثناءات لضمان إفلات إسرائيل من العقاب – استنتاجات المحكمة بل وأن تعارض القرار التنفيذيّ للجمعيّة العامّة للأمم المُتّحدة، الذي من المتوقع أن يتلو قرار محكمة العدل الدوليّة. وقد تحذو بعض الدول الغربيّة المُستثمرة في المحور الإسرائيليّ، كالمملكة المُتّحدة وألمانيا، حذو الولايات المتحدة الأمريكيّة. بينما من المتوقع أن تقوم معظم الدول، بمن فيها دول غربيّة أخرى، بتعديل سياساتها لضمان الامتثال القانوني.
الآن، أصبح لدى الجماعات والأفراد الذين استُهدِفوا سابقاً في إطار تجريم حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) أو أُرغموا على رفضها أداة مهمّة في ترسانتهم القانونيّة خلال تأكيدهم على حقوقهم سواء إدارياً أو قضائياً. ويمكنهم الآن الاستناد إلى الحكم الموثوق الصادر عن محكمة العدل الدولية لتأكيد أن المشاركة في المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد الاحتلال والاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي ليس فقط ضرورة أخلاقية وحق دستوري وإنساني، بل هو أيضا التزام قانوني دولي..