بينما تتوشح شاشات العالم ومؤسساته الإنسانية والطبية باللون الوردي احتفاءً بحملة "أكتوبر الوردي" التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية كحملة سنوية تهدف إلى التوعية بضرورة الكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي للنساء، يواصل العدوّ الإسرائيلي استهداف النساء الفلسطينيات، بالذات في قطاع غزّة، اللواتي يواصلن مجابهة جرائم المعسكر الأمريكي الإسرائيلي الإبادي. وبينما يفترض بأن يكون شهر أكتوبر فسحة للأمل والنجاة لنساء العالم، فإنه يتحول في فلسطين بفعل النظام الاستعماري الإسرائيلي إلى شهر إضافي من الشهور النازفة للنساء الفلسطينيات وسائر شعبنا الفلسطينيّ، بالذات في قطاع غزة المحتل والمحاصر. إذ يمر شهر أكتوبر هذا العام أيضاً متوشحاً باللون الأسود عوضاً عن اللون الوردي في خيام النازحات المكلومات من الألم والفقد في قطاع غزّة، وفي السجون الإسرائيلية، حيث يفرض الاحتلال واقعاً أكثر تعقيداً على النساء ككل، والمصابات بمرض السرطان بشكل خاص، ويواصل حرمانهن من العلاج الكيماوي ومنعهنّ من السفر لتلقي العلاج، بينما تُحرم الآلاف منهن من الوصول إلى الخدمات الطبية وبرامج الفحص المبكر التي تساهم في الكشف المبكر عن أي إصابة بسرطان الثدي، أو أي أمراض أخرى.
منذ ما يقارب المئة عام، والنساء الفلسطينيات في قلب النضال ضد نظام الاستعمار والأبرتهايد الإسرائيلي في مختلف الميادين، ما جعلهن في دائرة استهداف العدوّ المباشرة، وبتحريض مباشر من قيادات المشروع الصهيوني الذي لطالما اعتبرهن أيضاً "تهديداً ديموغرافياً" لمشروعه الاستيطاني الإحلالي على أرض فلسطين. فعلى سبيل المثال، حرّضت الوزيرة الإسرائيلية السابقة "ايليت شاكيد" بشكل مباشر على النساء الفلسطينيات، خاصةً أمهات الشهداء، ووصفتهن بمن "يربين الأفاعي الصغيرة" داعيةً لاستهدافهن وقتلهن.
لعامين متواصلين من الإبادة الجماعية، حرم العدو الإسرائيلي عائلتين من أمهم بمعدل كل ساعة، بينما قتل كل ساعتين 7 نساء، لتُقدّر حتى اللحظة أعداد الشهيدات الفلسطينيات بما يزيد عن 12,000 امرأة فلسطينية في قطاع غزّة، بالإضافة إلى عدد غير معروف -يقدر بالآلاف- من النساء المفقودات تحت الأنقاض. كما ضاعف العدوّ الإسرائيلي عذابات نساء شعبنا بالتهجير القسري والنزوح وكذلك بالتجويع واستهداف كل مقوّمات الحياة كالقطاع الصحيّ وإيقاف عمل المستشفيات بالكامل ، ضمن سلسلة لامتناهية من الجرائم التي يقترفها ضد 2.3 مليون فلسطيني من شعبنا في قطاع غزّة المحتل والمحاصر. فقد أجبرت العشرات منهن يومياً على وضع مواليدهن تحت القصف وأصوات الرصاص دون أي رعاية طبية وصحية أثناء الولادة أو بعدها لهن ولمواليدهن، كما أجبر الاحتلال الإسرائيلي الآلاف من النساء الحوامل على التنقل تحت خطر الموت المباشر على طريق النزوح المستمر، ومنهن من خسرن أطفالهن وأجنتهن نتيجة هذه الظروف. وتضاعفت معاناة مئات الآلاف من النساء الفلسطينيات من الإصابة المباشرة بالقصف، وكذلك أخطار الإصابة بأمراض متعددة نتيجة منع العدوّ الإسرائيلي وصول المساعدات التي تحوي مستلزمات صحية أساسية إلى قطاع غزّة، وللظروف المعيشية الصعبة التي فرضتها حرب الإبادة ومن قبلها الحصار الممتدّ الذي يفرضه العدو الإسرائيلي لأكثر من 17 عاماً.
أما في السجون الإسرائيلية، فثمة معركة أخرى تخوضها الأسيرات الفلسطينيات تحت سياط سجاني العدوّ الإسرائيلي ووحشيتهم. حيث يعتقل الاحتلال عشرات النساء من الضفة الغربية، إضافة إلى اعتقاله أعداد مجهولة من النساء من غزة، تقدر بالعشرات، في فترات متباعدة خلال حرب الإبادة الجماعية. تقبع الأسيرات من كل فلسطين في زنازين العدوّ الإسرائيلي في ظروف قهرية، لم يكتفِ الاحتلال فيها بتعريضهنّ للقمع والانتهاكات اليومية، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية الأساسية، والاحتياجات الصحية اليومية، بل يفرض عليهنّ أيضاً مواجهة الألم دون أي رعاية صحية. فعلى سبيل المثال، أجبر الاحتلال الأسيرة تهاني أبو سمحان على وضع مولودها دون أي رعاية طبية أو صحية لها ولمولودها الأسير معها.
تؤكد كل هذه الحقائق أن وقف إطلاق النار في غزة لا يعني انتهاء الإبادة الجماعية، بل إن أثارها ما زالت تتنامى. وفي شهر أكتوبر الذي يفترض أن يكون شهراً للتوعية ومساندة النساء، نحيي النساء الفلسطينيات اللواتي وقفن منذ بداية الصراع في وجه نظام الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي، الذي لا يتوانى عن استهداف أجسادهن ومعاناتهن وتوظيفها كسلاح في حربه على شعبنا الفلسطيني.
إن فلسطين قضية نسوية.. ووفاءً لعذابات وتضحيات المرأة الفلسطينية، لنواصل تصعيد الضغط ضد العدوّ الإسرائيلي والمتواطئين معه، ومنها الجمعيات والشركات الطبية الإسرائيلية والمتواطئة في جرائمه لمعاقبتهم، وتكثيف المقاطعة الثقافية والأكاديمية، جنباً إلى جنب مع مناهضة التطبيع النسوي الذي يستغل نضال النساء الفلسطينيات ومعاناتهن لتلميع جرائم العدوّ الإسرائيلي وتطبيع العلاقات معه. كما نجدد الدعوة للاستجابة لنداء المجتمع المدني الفلسطيني لزعزعة التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية ومختلف جرائم العدوّ الإسرائيلي ضد شعبنا في كافة أماكن تواجده.