السودان

من فلسطين إلى السودان: نضالنا واحد ضد الإبادة والإفلات من العقاب


فلسطين المحتلة، 11 تشرين الثاني 2025– تتوجه اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، أوسع ائتلاف في المجتمع المدني الفلسطيني، برسالة تضامن قلبية مع الشعب السوداني الشقيق، الذي يواجه مذابح جماعية وجرائم قد ترقى للإبادة الجماعية والتهجير والتطهير العرقي، خاصة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وتدعو اللجنة إلى تصعيد الضغط على النظام الاستبدادي الإماراتي، المرتبط بتحالف عسكري-أمني-سياسي مع نظام الاستعمار-الاستيطاني والأبارتهايد والإبادة الإسرائيلي، بتصعيد المقاطعة ضد النظام الإماراتي ومصالحه التي تبناها عدد كبير من أطر المجتمع المدني العربي، وفرض الحظر العسكري عليه، كردّ على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ضد الشعبين السوداني واليمني، وعلى شراكته في جرائم الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد شعبنا في غزة. 

ليس من قبيل المصادفة أن تتكرّر في السودان ذات الأدوات والتكتيكات الإجرامية الشنيعة التي وظّفها العدو الإسرائيلي في الإبادة في غزة، والتي أدّت إلى استشهاد عشرات الآلاف. ففي السودان، أودت الجرائم التي اقترفتها "قوات الدعم السريع" (RSF)، حليف النظامين الإسرائيلي والإماراتي، وبدرجة أقل قوى تابعة للنظام السوداني الاستبدادي، بحياة عشرات الآلاف من السودانيين وهجّرت الملايين، بدءاً من حصار المدن مثل الفاشر، الذي استمرّ 18 شهراً، وصولاً إلى استهداف المستشفيات والعاملين في القطاع الصحي، وتوظيف التجويع كسلاح حرب، مما أدى إلى مجاعة واسعة النطاق، مروراً بالإعدامات الميدانية والاستهداف المنهجي للمدنيين.

تُظهر المشاهد المروعة في الفاشر، كما شاهدنا في قطاع غزة، خلال العامين الماضيين، نمطاً يرسّخ نظاماً دولياً قائماً على شريعة الغاب يدفن أسس القانون الإنساني. ويكشف ما يجري في السودان مدى تواطؤ الصناعة العسكرية، بالذات الغربية والإسرائيلية، في افتعال وإثارة وإدامة الحروب والنزاعات المسلحة وتذليلها وتبريرها لتحقيق أقصى قدر من الأرباح والمكاسب الجيو-سياسية. إن لما يحدث في السودان جذوراً عميقة تعود للإرث الاستعماري في المنطقة، وامتداداته الإقليمية المتصلة بشكل وثيق بخطط التوسع والهيمنة والجشع الاستعماري، فضلاً عن انعكاسات الرأسمالية العسكرية الوحشية على واقع شعوب الجنوب العالمي. 

في خضم كل هذا، وبعد أن تم إقصاء المكوّن المدني والشعبي وجرّ السودان إلى دائرة الحرب الأهلية والتطبيع مع العدو الإسرائيلي، يواصل الشعب السوداني النضال من أجل حكومة تمثل مصالحه وتطلعاته حقاً نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والازدهار.

التورّط الإماراتي في تغذية وتسعير الصراع في السودان

في سياق تنامي التحالف العسكري والأمني بين النظام الاستبدادي الإماراتي والعدو الإسرائيلي، والذي تجلّى في صفقات بمليارات الدولارات لاستيراد تقنيات أمنية وعسكرية إسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الاشتباه في تسليحها ميليشيات محلية في غزة بدعم إسرائيلي لنشر الفوضى وعرقلة توزيع المساعدات، كشفت تقارير استقصائية متعددة، من بينها تقارير صادرة عن "وول ستريت جورنال" و"ميدل إيست آي" و"الجزيرة" وغيرها، عن تزويد نظام الإمارات  لقوات الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة التي مكنتها من ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وقد تترتب على أفعال دولة الإمارات مسؤوليتها الدولية، طبقاً للقانون الدولي، عن انتهاك سيادة السودان ووحدة أراضيه، وكذلك عن مخالفة التزاماتها طبقاً لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (المادة الأولى)، وكذلك المادة الأولى المشتركة لاتفاقيات جنيف. ذلك علاوة على احتمال ترتّب مسؤولية الشريك الجنائية، طبقاً للقانون الجنائي الدولي، في حق بعض قادة نظام الإمارات، وذلك عن مشاركتهم في جرائم جسيمة، منها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بل وما قد يرقى للإبادة الجماعية.

وخلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، وجّه السفير السوداني لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، اتهاماً صريحاً للنظام الإماراتي بتسليح أطراف النزاع في السودان. كما وثّقت منظمة العفو الدولية انتهاك الإمارات لحظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة، مشيرة إلى تقاعس المنظمة الدولية في تنفيذ قراراتها ذات الصلة.

وسبق أن كشفت منظمة العفو الدولية عن أدلة تشير إلى أن ميليشيات قوات الدعم السريع قد استخدمت ناقلات جنود مدرعة مصنّعة إماراتياً في ارتكاب جرائم حرب، بما في ذلك هجمات بدوافع عرقية ضد المدنيين. في المقابل، رفض النظام الإماراتي تقريراً للجنة خبراء للأمم المتحدة، صدر في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، أشار إلى "ادعاءات موثوق بها" تفيد بأنه قدّم إمدادات عسكرية عبر مهبط طائرات في تشاد لميليشيات قوات الدعم السريع.

ولا يقتصر سجل الانتهاكات المنسوبة إلى النظام الإماراتي على الساحة السودانية، إذ يشمل أيضاً سجلاً محلياً حافلاً بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها القمع الممنهج والاستغلال الإجرامي للعمالة المهاجرة، ومعظمها من دول جنوب آسيا، بالإضافة إلى استمرار التمييز البنيوي الممارس ضد النساء، وسياسات الملاحقة العنيفة للمدافعين عن حقوق الإنسان من الشعب الإماراتي الشقيق. هذا بالإضافة إلى مشاركة النظام الإماراتي  في ارتكاب انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب في ليبيا، وكذلك في اليمن بالشراكة مع النظام السعودي، وكلّه في ظل تواطؤ غربي، لا سيما من الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، وبشراكة كاملة مع النظام الإسرائيلي.

الدور الإسرائيلي في تأجيج الصراع في السودان

في خلفية هذه الجرائم المروعة، يظهر دور إسرائيل بوصفها أحد المزودين الرئيسيين بالتقنيات العسكرية وأدوات المراقبة للأنظمة القمعية حول العالم. فمنذ توقيع اتفاقيات "أبراهام" عام 2020، ارتفعت صادرات السلاح الإسرائيلية إلى الدول المشاركة، من بينها الإمارات والسودان، لتبلغ نحو 1.8 مليار دولار عام 2024، أي ما يشكّل 12% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية، بما يشمل الطائرات المسيّرة وأنظمة التجسّس والمراقبة التي جُرّبت أولاً على شعبنا الفلسطيني. وهذا كان في خضم الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد شعبنا

وفيما يتعلق بالسودان على وجه الخصوص، فإنّ المصالح الإسرائيلية المعلنة لا تقتصر على الجوانب السياسية والدبلوماسية في مسار التطبيع، بل تمتد لتشمل أبعاداً عسكرية واقتصادية واستراتيجية ذات طابع جيوسياسي واضح. فبينما يعيش السودان منذ سنوات طويلة حالة من الانقسام والصراع المسلح على السلطة، يتجلّى اهتمام العدو الإسرائيلي مدفوعاً باعتبارات تتعلق بتأمين مجاله الجوي والبحري على امتداد البحر الأحمر، وترسيخ نفوذه في القرن الإفريقي، ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية الأوسع لتعزيز مطامع المشروع الاستعماري الصهيوني بفي المنطقة العربية والقارة الإفريقية. 

وقد عبّر عن ذلك وزير الأمن الإسرائيلي السابق، آفي ديختر، بشكل صريح، حين قال: "كان علينا إضعاف السودان وحرمانه من مبادرة بناء دولة قوية وموحدة. هذا ضروري لتعزيز الأمن القومي الإسرائيلي. لقد ساهمنا في تصعيد أزمة دارفور لمنع السودان من تطوير قدراته". وما لم يعلنه المسؤولون الإسرائيليون، رغم عملهم الدؤوب لتحقيقه، هو إضعاف مصر من حيث تقويض مواردها المائية والغازية وتهميش دور قناة السويس تدريجياً.

وعلى نحو مشابه لما جرى في جنوب السودان، وهو ما وثّقه فريق الخبراء المُشكل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي  حول الوضع في جنوب السودان، تشير عدّة تقارير إلى أن إسرائيل أقامت قنوات تواصل موازية مع طرفي النزاع الحالي في السودان: قائد القوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، وزعيم قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ما يفسر محاولة موضعة نفسها كوسيط بين الطرفين، ضمن محاولات تثبيت نفوذها في المنطقة للسيطرة على موارد السودان الطبيعية. 

كما كشفت تقارير استقصائية عديدة، من بينها تحقيق مشترك لعدد من الصحف، عن تورط شركات إسرائيلية في تزويد ميليشيات قوات الدعم السريع السودانية بتقنيات تجسس ومراقبة متطورة. وبحسب التحقيق، فإن هذه التكنولوجيا وصلت إلى معاقل الدعم السريع في دارفور بعد تهريبها من الخرطوم، ما منح الميليشيا قدرة أكبر على تعقب المعارضين ومراقبة الاتصالات الميدانية. وأشار التحقيق إلى أن هذه العملية تأتي ضمن شبكة أوسع تربط شركات تجسس إسرائيلية بمراكز عمليات في اليونان وقبرص والإمارات، تسوّق تقنيات اختراق رقمية لأنظمة قمعية في إفريقيا والمنطقة العربية، من بينها السودان.

لنوحّد نضالاتنا ونصعّد الضغط الشعبي لمحاسبة النظام الإسرائيلي وحليفه الإماراتي والجهات والمؤسسات والشركات والحكومات التي تمكّنهما من مواصلة ارتكاب جرائمهما المروعة 

إن نضالنا الفلسطيني من أجل التحرّر من الاستعمار مرتبط بشكل وثيق بنضالات شعوب المنطقة من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية والاستقلال الناجز، وكذلك بالنضال ضد الرأسمالية العسكرية والاستغلال الإمبريالي والعنصرية والتمييز العرقي. 

بينما كان العدو الإسرائيلي يواصل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد شعبنا في قطاع غزة، بلغت الصادرات العسكرية الإسرائيلية أكثر من 14.7 مليار دولار العام الماضي، فيما ظهرت عشرات شركات السلاح الإسرائيلية في معرض (IDEX) في أبوظبي لعام 2025، ما يبيّن حقيقة أن التحالف الأمني الإسرائيلي- الإماراتي بات يُمثّل اليوم شرياناً مباشراً لتسليح آلة القمع في المنطقة وتغذية وتصدير العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية لقمع شعوب العالم، من أفريقيا إلى جنوب آسيا وصولاً إلى أمريكا اللاتينية.  

تذكّر اللجنة الوطنية الفلسطينية بدعوتها لمقاطعة النظام الإماراتي والشركات والجهات والمؤسسات الضليعة في التحالف الأمني والاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي، بما فيها الشركات السياحية، وهي مقاطعة اعتبرتها اللجنة خلال حرب الإبادة ضد شعبنا في قطاع غزة لا تنفصل عن مقاطعة العدو الإسرائيلي. كما تجدد اللجنة دعوة الحركات الاجتماعية وأحرار العالم في كلّ مكان بالضغط على حكوماتهم لفرض عقوبات عسكريّة صارمة على جميع الدول التي ترتكب جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب، لا سيّما النظامين الإسرائيلي والإماراتي. هذا بالإضافة إلى تصعيد الضغط على الشركات الرائدة في تصنيع الأسلحة، لا سيما الإسرائيلية والأمريكية، التي تتربّح من الجرائم التي يرتكبها النظام الإماراتي ضد الشعب السوداني، والتي يقترفها العدو الإسرائيلي ضد شعبنا الفلسطيني. 

من فلسطين إلى السودان.. ومن اليمن إلى الكونغو.. معركتنا واحدة ضد الاستعمار والعنصرية والإفلات من العقاب، موحّدين بالألم والنضال المشتركين والتوق للحرية والمستقبل الكريم.