9 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ترحّب اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، أكبر تحالف في المجتمع المدني الفلسطيني في الوطن والشتات وقيادة حركة المقاطعة العالمية (BDS)، بخبر التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة. ولا يغيب عن شعبنا والعالم بأنّ وقف إطلاق النار هو الخطوة الأولى لإنهاء الإبادة الجماعية ضد 2.3 مليون فلسطيني/ة من شعبنا في قطاع غزّة المحتّل والمحاصر والتي استمرت لمدة عامين متتالين. غير أنه إذا توقف الضغط الشعبيّ والعالميّ الآن، قد تستمر الإبادة بشكل أقل ظهوراً، أي بشكل يأمل من خلاله العدوّ الإسرائيلي، وداعميه من المعسكر الاستعماري الغربي بقيادة الولايات المتحدة، أن يخفض وتيرة الغضب الإقليمي والعقوبات الدولية الآخذة في التصاعد، والضغط الشعبيّ العالميّ، بينما يستمر في جرائمه كالمعتاد بعيداً عن الأنظار. إن التحرك الآن لوقف الإبادة مطلوب أكثر من أي وقت مضى، ويبدأ بمحاسبة العدوّ الإسرائيلي على جرائمه من خلال إنهاء التواطؤ فيها، وفرض العقوبات التي أصبحت التزاماً قانونيًا، لا أخلاقيًا فقط.
لقد تعمّد العدوّ الإسرائيلي خلال الإبادة الجماعية، التي يقترفها بتسليح وتمويل وحصانة كاملة من الغرب الاستعماري وبتواطؤ أنظمة التطبيع العربي الاستبدادية، إلى تحويل قطاع غزة المحتلّ إلى منطقة غير صالحة للعيش من خلال التدمير الممنهج للظروف المعيشية. كما قتل الاحتلال أكثر من 69 ألف شهيد/ة فلسطيني/ة، وتسبب في عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين، حسب المصادر الرسمية، فضلاً عن التجويع الممنهج الذي أكدته مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) المدعومة من الأمم المتحدة. هذا بالإضافة إلى تصعيده الوحشيّ ضد شعبنا في الضفة الغربية، وضد أسرانا وأسيراتنا في السجون الإسرائيليّ، وضد شعوب منطقتنا العربية، بالذات في لبنان.
أما الآن وقد بدأت موازين القوى بالتغير على الصعيد الشعبي العالمي، لا يمكن السماح بالعودة إلى الوراء. فإنّ قوة شعبنا التي سطرت دروساً في المقاومة والصمود للبشرية جمعاء، جنباً إلى جنب مع الضغط الشعبيّ التضامني حول العالم، هو ما قاد إلى تفاقم عزلة العدوّ الإسرائيليّ على المستوى الدوليّ لهذه الدرجة غير المسبوقة. وهذا ما اعترف به مؤخراً رئيس الوزراء الإسرائيلي في خطابه الشهير عن ضرورة تحوّل إسرائيل إلى "سوبر إسبرطة" معزولة عن العالم. فالأغلبية في العالم اليوم تتجه نحو عزل غير رسمي لإسرائيل، وهو ما لا يقل تأثيراً عن العزل الرسمي الذي بدأ بالفعل أيضاً، وتحديداً في الموجة الأخيرة من العقوبات الدولية، من إسبانيا إلى تركيا، ومن ماليزيا إلى كولومبيا وسلوفينيا وغيرها الكثير.
وفي ضوء التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، ووفاءً لتضحيات شعبنا وعذاباته ونضاله، علينا أن نفوّت على العدوّ الإسرائيلي أي فرصة للإفلات من العقاب على جرائمه، فمسؤوليتنا تكمن في أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار دافعاً للاستمرار في تصعيد الضغط حتى تفكيك نظامه الاستعماري القائم منذ 77 عاماً.
لم تنته مهمتنا بعد. إنّ المحاسبة الحقيقية الناجزة والعادلة تحتاج إلى تضامن دولي واسع. وباعتبارها إحدى أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية وأهم أشكال التضامن مع نضال شعبنا، تحيّي حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) ملايين المناصرين والمؤيدين الذين يواصلون التحرّك إسناداً وتضامنًا مع شعبنا لإنهاء الإبادة الجماعية. لقد ساهمت هذه التحركات، والجهود الجمعية في توجيه حزننا وغضبنا إلى ضغوط استراتيجية ومبدئية لإنهاء تواطؤ الدول والحكومات والشركات والمؤسسات في الجرائم الإسرائيلية، وقد كان لها مساهمة حقيقية وفاعلة في معادلة الصراع وممارسة ضغوط مباشرة على أولئك الموجودين في أروقة صنع القرار، وصولاً إلى إجبارهم على وقف إطلاق النار.
اليوم، ومن أجل محاسبة إسرائيل وداعميها وممكّنيها، وحتى لا يذوق شعبنا أو شعوب العالم مرار نكبة مماثلة جديدة، علينا تكثيف ضغوط حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل (BDS) أكثر من أي وقت مضى لضمان إنهاء الإبادة الإسرائيلية في غزة بشكل كامل، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون قيود، ومساعدة شعبنا في قطاع غزة على تجاوز ويلات هذه الحرب. فبالإضافة إلى كل أهوال وجرائم العدوّ الإسرائيلي، تفيد وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) بأن 1.9 مليون شخص من غزة هم نازحون داخلياً، وأكثر من ثلثي الفلسطينيين في غزة هم أصلاً من اللاجئين، بعد أن هجّرتهم العصابات الصهيونية خلال نكبة 1948 من ديارهم. إن حقهم في العودة إلى ديارهم وأراضيهم في جميع أنحاء فلسطين التاريخية هو حقٌ ثابت، وكذلك حقهم في التعويضات، وهذه الحقوق يمكن إلغاؤها بالإبادة الجماعية أو الفصل العنصري ولا تسقط بتقادم الوقت.