بيان يوروفيجن 1

من مسابقة "يوروفيجن" إلى بينالي البندقية وهوليوود: عزلة إسرائيل تتنامى في المجال الثقافي رغم التهديدات والتلاعب!

ترحب الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، وهي عضو في اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، بانسحاب هيئات البث في كل من إسبانيا وهولندا وأيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا من مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" احتجاجاً على مشاركة ممثّل عن النظام الإسرائيلي. 

في هذه الدورة، واجهت مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" أكبر حملة مقاطعة وأخطر أزمة في تاريخها، بعد انسحاب خمس هيئات بث أوروبية رفضاً للمشاركة الإسرائيلية فيها. وكانت الحملة قد دعت إلى مقاطعة المسابقة في عامي 2018-2019، عندما أُقيمت المسابقة في تل أبيب، وجددت الحملة هذه الدعوة في العام 2024.

في نهائي المسابقة الذي أقيم يوم السبت، الموافق 16 مايو/أيار 2026، وهي أكبر حدث موسيقي يبث مباشرةً في العالم، شعر المشاهدون بدهشة كبيرة عند حصول المتسابق الإسرائيلي على المركز الثاني، وخسر بفارق ضئيل أمام ممثل بلغاريا، لكن المراقبين ونشطاء حقوق الإنسان لم يتفاجأوا بذلك. فحتى صحيفة "نيويورك تايمز"، وهي الصحيفة التي ساهمت تغطيتها الإعلامية المنحازة في تمكين العدوّ الإسرائيلي من إبادته ضد شعبنا في غزة ومن ممارسة عقود من الاضطهاد ضد شعبنا إجمالاً، قد كشفت أنّ "جهود إسرائيل للتأثير على التصويت في يوروفيجن كانت أوسع نطاقاً وبدأت قبل سنوات مما كان معروفاً". 

وبالنظر إلى السياسات الإسرائيلية المعتادة في الترهيب والرشوة والتهديدات، فمن المرجح أن هذه السياسات ربما وُظّفت للتلاعب في تصويت "يوروفيجن"، بما يتجاوز الأموال التي ضختها حكومته بقيادة بنيامين نتنياهو، والمعروفة بالفعل.

وخلال اجتماع الهيئة العامة لمنظّمي "يوروفيجن" الأخير في جنيف، صوّت الأعضاء لصالح تعديلات وُصفت بأنها "شكلية وغير مؤثرة"، ولكنهم لم يعلّقوا عضوية هيئة البث الإسرائيلية "كان" المتواطئة بشدة في تبرير وتشجيع الإبادة الإسرائيلية في غزة، وهو ما قاد بعد التصويت إلى انسحاب هيئات بث أوروبية. ومن جهتها، قالت هيئة البث البلجيكية الناطقة بالهولندية، (التي تتناوب في المشاركة في مسابقة "يوروفيجن" مع هيئة البث البلجيكية الناطقة بالفرنسية) أن "فرص مشاركة فنان من طرفها العام المقبل ضئيلة جدًا". 

وكانت وسائل إعلام إسرائيلية قد كشفت أن الرئيس الإسرائيلي "إسحق هرتسوغ" قد أطلق "حملة دبلوماسية مكثفة استمرت لأشهر، وجرت إلى حد كبير خلف الكواليس"، وذلك بهدف الضغط على هيئات البث الأوروبية لدعم مشاركة إسرائيل. وكان اسم هرتسوغ قد ورد في ملف جنوب أفريقيا الذي قُدم إلى محكمة العدل الدولية باعتباره متهماً بالتحريض على الإبادة. وردًا على هذه الأخبار، قال رئيس هيئة البث الإسبانية (RTVE): "لقد ناورت إسرائيل في الظل لأشهر. فما بدا وكأنه نقاش ديمقراطي في جنيف لم يكن سوى مهزلة جرى إعدادها في مكاتب مغلقة خلف الكواليس… ستواصل الحكومة الإسرائيلية استخدام المسابقة بالطريقة التي تراها مناسبة".

وقال مدير مسابقة "يوروفيجن"، "مارتن غرين" مؤخراً: يمكن لروسيا العودة للمشاركة في المسابقة. ورداً على ذلك، قال رئيس هيئة البث الإسبانية أن ذلك سيحدث فقط "لتبرير ازدواجية المعايير مع إسرائيل". كما قال رئيس مجلس إدارة هيئة البث العامة في آيسلندا أن "الحكومة الإسرائيلية قد استحوذت على يوروفيجن". وفي الوقت نفسه، خسرت المسابقة، وشريكها التجاري الرئيسي، شركة (Moroccanoil) الإسرائيلية، ملايين المشاهدين هذا العام بسبب المشاركة الإسرائيلية، بينها ما يقارب 3 ملايين في فرنسا وبريطانيا وحدهما، دون احتساب الخسائر التراكمية في الدول التي قاطعت المسابقة وغيرها.

كما امتلأ مسرح "يوروفيجن" بهتافات الاستهجان عندما تقدم الممثل الإسرائيلي بالأصوات مؤقتاً خلال إعلان نتائج التصويت، بحسب ما أشار إليه عدد من المعلقين والمعجبين. إن كل مذيع وفنان وكل مشارك آخر لم يقاطع المنافسة المتواطئة والمزورة يتحمل جزءاً من مسؤولية هذا الوضع السخيف، الذي يمكن فيه  لنظام مارق إبادي، لا يحظى بشعبية كبيرة، أن يلمع صورته من خلال التلاعب بالأصوات وأن يحتل مكانة عالية بين جمهور يرفض بوضوح مشاركته. فإذا أراد أي من معجبي "يوروفيجن" إنقاذ المسابقة من أن تكون أرضاً محتلة أخرى، لن يكون هناك خيار سوى مقاطعتها حتى يحظر المنظمون مشاركة إسرائيل.

كما قال رئيس الوزراء الإسباني "بيدرو سانشيز" حول المقاطعة: "في مواجهة الحرب غير القانونية والإبادة، الصمت ليس خياراً".

أما في معرض "بينالي البندقية"، أكبر معرض فني في العالم، والذي سبق "يوروفيجن" بأسبوع هذا العام، فقد أغلق 28 جناحاً وطنياً جزئياً أو كلياً خلال إضراب تضامني مع فلسطين وحقوق العمال. وجاء هذا الإضراب، وهو الأكبر في تاريخ البينالي، بعد دعوة 239 مشاركاً إلى استبعاد المشاركة الإسرائيلية. كما قام عدة آلاف من المتظاهرين بإغلاق المدخل الرئيسي لأحد المواقع الرئيسية في المعرض. وعندما فشل منظمو "بينالي البندقية" في استبعاد النظام الإسرائيلي، أعلنت لجنة التحكيم أنها لن تنظر في تمثيل أي دولة تصدر بحق قادتها مذكرات اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، ما يعني أنه لن يتم النظر في تمثيل النظام الإسرائيلي في المعرض. وبعد ترهيب قانوني معتاد من الممثل الإسرائيلي، استقالت لجنة التحكيم، وأعلن المعرض لاحقاً عن جائزة جديدة باسم "جائزة الزوار"، يمكن لإسرائيل المشاركة فيها. ورداً على ذلك، انسحب أكثر من 70 فناناً و22 جناحاً وطنياً من المنافسة على الجوائز.

ويبرز تراجع النفوذ الإسرائيلي في هوليوود أيضاً، حيث لطالما لجأ مؤيدو إسرائيل إلى أساليب الترهيب والتهديد والتشهير. فقد تعهد أكثر من 5,500 عامل في صناعة السينما، بينهم نجوم كبار في هوليوود وعدد من المشاهير اليهود، برفض العمل مع شركات ومؤسسات سينمائية إسرائيلية تبرر وتلمّع الإبادة أو نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. ومن بين أبرز المشاركين في هذا التعهد الممثل الحائز على جائزة الأوسكار "خافيير بارديم"، الذي أشار إلى الإجراءات اليائسة التي يتخذها مؤيدو النظام الإسرائيلي قائلاً "أعتقد أن أولئك الذين يقومون بإعداد ما يسمى بالقوائم السوداء سوف يُكشفون بالفعل، وسيكونون هم الذين يعانون مما يسمى بالعواقب، على الأقل على المستوى العام والاجتماعي. وهذا تغيير كبير". وفي حين تعدّ الأساليب التي ينتهجها هؤلاء المؤيدون الصهاينة معروفة على نطاق واسع في هوليوود وخارجها، فإن المقاومة المتنامية بسرعة ضدهم لا لبس فيها، ولا يمكن إيقافها. 

أشار بارديم أنه استمر في تلقي العديد من العروض من جميع أنحاء العالم وأضاف في حديثه في مهرجان كان السينمائي: "أنا محظوظ بما فيه الكفاية لأتمكن من العمل... أتخيل أن هناك أشخاصاً يخشون أن يفقدوا الفرص بسبب [التحدث علنًا تضامناً مع فلسطين]،وبدلاً من ذلك، نفهم الآن أن هناك عواقب عندما تدعم أو تبرر إبادة جماعية مثل تلك التي تحدث. والمجتمع يعرف ذلك".

لم تكن عزلة العدوّ الإسرائيلي، في معاقله الثقافية الغربية، واضحة إلى هذا الحد من قبل. 

وقد أنفق النظام الإسرائيلي، قبل الإبادة المستمرة ضد شعبنا في قطاع غزة، مئات الملايين من الدولارات لمواجهة حركة المقاطعة (BDS)، معتبراً الحركة "تهديداً استراتيجياً" ثم "تهديدًا وجودياً" لنظام الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد القائم منذ عقود ضد شعبنا. والآن، ومع محاولاته لتلميع صورته أمام العالم مع استمرار الإبادة في غزة وتصاعد التطهير العرقي في الضفة والعدوان الوحشي الإقليمي الأوسع ضد الشعب اللبناني وشعوب المنطقة، تخصص إسرائيل مئات الملايين من الدولارات سنوياً للدعاية والترويج. في الوقت نفسه، تتدخل بشكل غير قانوني في الانتخابات، بما في ذلك في أوروبا، وتصعّد عمليات الرشوة والضغط والتلاعب لتعزيز نفوذها.

حيث كشف موقع "بوليتيكو" أن شركة "بلاك كيوب" الاستخباراتية الإسرائيلية، والتي أسسها ضباط مخابرات إسرائيليون سابقون، شاركت مجدداً في التجسّس والتنصت، وهذه المرة في سلوفينيا، لدعم مرشح يميني متطرف ضد رئيس الوزراء اليساري الحالي. كما تخضع شركة إسرائيلية أخرى تُدعى "بلاك كور" للتحقيق بتهم التدخل في الانتخابات البلدية الفرنسية. وقد جاءت إسرائيل في المرتبة الأخيرة في مؤشر (Nation Brands Index) لمدة عامين متتاليين. وعلى الرغم من استمرار نفوذها لدى معظم الحكومات الغربية، فإن إفلاتها من العقاب بسبب جرائمها في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران، أدى إلى تراجع غير مسبوق في مكانتها عالمياً، بما في ذلك شعبياً في الولايات المتحدة وأوروبا. 

إن إسرائيل اليوم باتت تشكل تهديداً للبشرية جمعاء أكثر من أي وقت مضى. لذا، فإن عزلها وإنهاء التواطؤ معها هما السبيل الأكثر فاعلية ومبدئية لمحاسبتها. 

تحيّي الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) نشطاء المقاطعة والعاملين في المجال الثقافي وحلفائهم، وتشيد بالعمل الدؤوب والاستراتيجي الذي يقومون به في أنحاء العالم. كما تجدد الحملة دعوتها الفنانين/ات والمؤسسات الفنية والثقافية حول العالم، بما يشمل المنطقة العربية، إلى مقاطعة جميع الفعاليات والأحداث الشبيهة التي تحاول تطبيع الإبادة الجماعية والعدوان وكسر عزلة إسرائيل المتنامية دولياً عبر ميادين الفن والثقافة والرياضة.