فلسطين المحتلّة 19 يناير/كانون الثاني 2026 – على الرغم من إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية (المطلوب للعدالة الدولية لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية) الشهر الماضي عزمه المضي قدماً في تنفيذ اتفاقية تصدير الغاز إلى مصر، والتي تُقدّر قيمتها بـ35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040، فإن الصفقة لا تزال تواجه عقبات متعددة تعيق تنفيذها، وسط قلق القاهرة من عدم تضمين الاتفاقية لحد أدنى من الإمدادات أو لأية شروط جزائية تعويضية. 

ويمثّل الاتفاق الجديد توسعة للاتفاق السابق الذي وُقّع عام 2019، ويقضي برفع الكميات لتصل إلى نحو 130 مليار متر مكعب حتى عام 2040، بالاعتماد على إنتاج حقل ليفياثان، الذي تديره شركة «شيفرون» الأميركية بالشراكة مع «نيوميد إنرجي» و«ريشو أويل». 

ومع ذلك، لم تنهِ موافقة نتنياهو النقاط الخلافية مع الحكومة المصرية بشأن أسعار التوريد مستقبلًا وانتظام الإمدادات في «أوقات الطوارئ»، فيما تظلّ الاتفاقية غير واضحة المعالم، بحسب رئيس هيئة البترول المصرية السابق، نظراً لعدم إعلان تفاصيلها وعدم مرورها عبر المؤسسات التشريعية والشعبية المصرية ولا حتى الإسرائيلية. 

وقد جاء الإعلان عن الاتفاق على تصدير غاز إلى مصر في أعقاب مسار متقلب شهد توقيعاً في أغسطس/آب، ثم عرقلة إسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول، قبل أن يعلن رئيس وزراء حكومة العدوّ بنيامين نتنياهو في ديسمبر/كانون الأول الموافقة النهائية عليه. ومن طرفها، حذّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، من تشكيل هذه الصفقة انتهاكاً مصرياً كذلك للقانون الدولي، معتبرة أن مثل هذه الصفقات تمثّل دعماً سياسياً واقتصادياً لإسرائيل بما يخلّ بميثاق الأمم المتحدة واتفاقية منع الإبادة الجماعية، ضمن مواثيق واتفاقات دولية أخرى، وذلك في ضوء ما خلُصت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، وأوامر التدابير المؤقتة المتعاقبة للمحكمة الصادرة منذ يناير 2024، وكذلك قرار الجمعية العامة الصادر في 18 سبتمبر 2024. 

وإذ تستنكر اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل، وهي أوسع تحالف في المجتمع المدني الفلسطيني، توسيع السلطات المصرية لصفقة الغاز مع العدو الإسرائيلي، بالذات في ظل الإبادة الجماعية المستمرة بحق شعبنا في غزة، فإنها تدعو إلى ممارسة الضغط من أجل التراجع عن هذه الصفقة. فهي لا تقتصر على كونها «اتفاقاً تجارياً» يغذّي خزينة نظام الإبادة والاستعمار-اللاستيطاني والاحتلال الإسرائيلي، بل تمثّل أيضاً تهديداً استراتيجياً متعدّد الأبعاد يرهن الشعب المصري الشقيق بعلاقات تبعية طويلة الأمد مع عدو يستخدم الطاقة أداةً للتسيُّد والابتزاز السياسي، ويعمل منذ سنين على تقويض مقدّرات الشعب المصري. فعلي سبيل المثال لا الحصر، دعم العدوّ الإسرائيلي سد النهضة الإثيوبي، المترافق مع توسيع التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وكذلك روّج بقوة لمشروع المسار التجاري البري الإماراتي-الإسرائيلي كبديل عن قناة السويس. وفي هذا الإطار، تطرح اللجنة خمس حقائق تبيّن ما تنطوي عليه الصفقة من مخاطر اقتصادية وأمنية وسيادية جسيمة:

أولاً، الضغط السياسي والابتزاز: على الرغم من امتلاك مصر احتياطيات كبيرة ومؤكّدة من الغاز الطبيعي، تُقدَّر بنحو 75.5 تريليون قدم مكعب، ما يضعها في المرتبة الرابعة إفريقياً وضمن الدول ذات الوزن الملحوظ عالمياً وفي طليعة المنتجين في المنطقة، إلا أنها باتت تعتمد على استيراد الغاز من العدو الإسرائيلي للإسالة والتصدير للخارج، ما يربط أمن الطاقة المصري بأيادي النظام الإسرائيلي الإبادي، فلا يعود القرار إلى القاهرة وحدها، بل يصبح مرتبطاً بتل أبيب

ويضاف إلى ذلك الدور الأمريكي عبر شركات مثل «شيفرون»، الذي يعمّق النفوذ الخارجي في ملف الطاقة المصري، إلى جانب إشراف شركات خارجية على توسيع مشاريع نقل الغاز الإسرائيلي ومنها خطوط الأنابيب، ما يضع السيادة الوطنية المصرية تحت رحمة العدوّ الإسرائيلي ويمنحه قدرة سياسية واقتصادية وسياساتية على التأثير في قرارات مصر وخياراتها الاستراتيجية. كما أن أي توترات أمنية أو عسكرية إقليمية قد تنعكس على البنية التحتية العابرة للحدود، مما يضع أمن الطاقة المصري تحت خطر التقلبات الخارجية ويؤثّر على الاستقرار القومي والسيادي. 
 

ثانياً، التبعية الاقتصادية وفقدان الاستقلال الطاقي: بحسب «الرابطة التجارية الإسرائيلية للغاز الطبيعي»، صدّر العدو الإسرائيلي 8.7 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر عام 2023، ما يعادل نحو سدس استهلاك مصر من الغاز، ليصبح بذلك مورّداً رئيسياً للاقتصاد المصري في قطاع الطاقة. وفي مقابل ارتفاع واردات مصر من الغاز الطبيعي بنسبة 148% في الربع الأول من عام 2025، شهد الإنتاج المحلي انخفاضاً مستمراً منذ 2023، ما خلق فجوة بين العرض والطلب عرقلت توليد الكهرباء وأثرت على العمليات الصناعية. وقد تضاعفت فاتورة صافي واردات الطاقة المصرية أكثر من الضعف خلال عام 2024، لتبلغ 11.3 مليار دولار، مما ساهم في رفع عجز الحساب الجاري إلى 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.2% في عام 2023.

وبموجب الصفقة الجديدة، ستدفع مصر نحو 35 مليون دولار إضافية عن كل مليار متر مكعب من الغاز، ما يمثّل زيادة بنسبة 14.8% مقارنة بالاتفاقية السابقة. يزيد تحول مصر من مصدّر صافٍ إلى مستورد للطاقة من الاعتماد على الغاز الإسرائيلي رغم وجود بدائل إقليمية ودولية أكبر بكثير وأكثر أمناً وأقل كلفة سياسية بما لا يقاس. كما يستنزف هذا التحوّل احتياطيات العملة الأجنبية ويضاعف الأزمة الاقتصادية ويؤثر على الميزانية بما يرهق كاهل الشعب المصري، مع تزامنه مع قيود قروض صندوق النقد الدولي.

ثالثاً، الالتزامات القانونية والأخلاقية لمصر تجاه الشعب الفلسطيني وخطر التواطؤ في الجرائم الدولية الجسيمة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، وجريمة النهب، وجريمة الإبادة: تلزم المواثيق والمبادئ الأساسية للقانون الدولي كافة الدول، ومنها مصر، بعدم المساعدة في أو الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني للأراضي الفلسطينية، فضلًا عن التعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية من أجل إنهاء الاحتلال والأوضاع غير القانونية المترتبة عليه، وذلك بموجب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر 19 يوليو 2024 وقرار الجمعية العامة الصادر في 18 سبتمبر 2024، الذي صوّتت مصر لصالحه

فضلًا عن الالتزام بالامتناع عن الاعتراف بالاحتلال والأوضاع القانونية الناتجة عنه أو مساعدة فيه، لقد ترتب على القرارات المشار إليها التزامات قانونية على جميع الدول، ومنها مصر، بالقيام بعدة أفعال، منها «إلغاء أو تعليق العلاقات الاقتصادية والاتفاقات التجارية والعلاقات الأكاديمية مع إسرائيل التي يُحْتَمل أن يترتب عليها المساهمة في التواجد الإسرائيلي غير القانوني ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في الإقليم الفلسطيني المحتل»، وذلك بحسب عدد كبير من الخبراء والمقررين الخواص للأمم المتحدة

وتشكل صفقة الغاز الإسرائيلية-المصرية الجديدة إخلالًا جسيمًا بتلك الالتزامات، إذ يقع حقل ليفياثان جزئياً في نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة (Exclusive Economic Zone) الفلسطينية (على ساحل غزة)، حسب الخرائط الرسمية الفلسطينية المودعة لدى الأمم المتحدة، كما يمر خط إمداد الغاز لمصر في نطاق المنطقة ذاتها، لذلك تشكل الأنشطة المزمع تنفيذها في إطار الصفقة اعترافًا بالاحتلال الإسرائيلي غير القانوني لغزة، ما يتعارض جوهريا مع القانون الدولي والسياسة الرسمية المصرية الرافضة للاحتلال. للمعطيات ذاتها، يشكل استغلال إسرائيل للموارد الطبيعية للجزء الواقع في نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة الفلسطينية من حقل ليفياثان جريمة «النهب» حسب القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وهي جريمة حرب طبقًا للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة وكذلك الفقرة السادسة عشرة (ب) للمادة (8) من نظام روما الأساسي، وهو الأمر الذي يترتب عليه تكييف قيام السلطات المصرية بشراء موارد طبيعية تم الاستحواذ عليها بطريقة غير قانونية، أي بطريق «النهب»، باعتباره مشاركة في جريمة دولية، هي جريمة «النهب»، وهو ما يترتب عليه مسؤوليتها الدولية والجنائية. 

فضلًا عن هذا، تُلزم اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها جميع الدول، بما فيها مصر، باتخاذ إجراءات فورية لمنع أي إبادة ومعاقبة مرتكبيها، بما في ذلك وقف أي علاقات تجارية أو اقتصادية قد تسهم أو تعزز هذه الأعمال. كما أنّ استمرار تنفيذ صفقة الغاز في ظل مواصلة إسرائيل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة وجرائم الاحتلال والأبارتهايد والتطهير العرقي في بقية الأرض المحتلة، وبعد أوامر المحكمة الدولية في يناير ومارس ومايو 2024، يعرّض مصر لخطر التواطؤ في الإبادة ويحوّل أي دعم اقتصادي مستمر إلى انتهاك للقانون الدولي. إن خطر الإبادة ضد الشعب الفلسطيني يرتبط أيضاً بخطر التهجير، بهذا إن وقف الإبادة ليس موقفاً تضامنياً مع شعب شقيق فحسب، إنما هو دفاع عن مصر وأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. 

بالإضافة إلى التزامات الأطراف الثالثة حال قيام طرف بارتكاب جريمة الإبادة، فإن التزامات مصر تجاه إنهاء الإبادة في غزة على وجه الخصوص إنما هي تزيد كمًا وكيفًا، كدولة حدودية في حدود قدرتها وسلطتها فعل الكثير من أجل منع أو التهوين من حدة الإبادة. فبدلًا من التورط في الاعتراف بالاحتلال بل والمساعدة والمشاركة في استمراره والمشاركة في جريمة حرب - جريمة «النهب» - يتعين على السلطات المصرية أداء دورها القانوني والأخلاقي التاريخي بحكم موقعها الجغرافي والسياسي، بالسعي بشكل فعال لتوفير وتمرير المساعدات الإنسانية لأهالي غزة، وصولًا لاحترام التزاماتها بمنع والتخفيف من وطأة الإبادة في غزة. 

كما تتيح الصفقة استمرار حرمان الشعب الفلسطيني من موارده الطبيعية، وكذلك الشعب اللبناني، بما يتناقض مع الموقف التاريخي لمصر الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني. 

رابعاً، خطورة الاعتماد على مصدر "غير موثوق" وأثره على الصناعة والاقتصاد المحلي: بعد إغلاق حقل تامار، الذي تسيطر عليه إسرائيل وتديره شركة شيفرون، لمدة 37 يوماً مع بدء الحرب الإبادية على غزة، تم تقليص صادرات الغاز لمصر إلى النصف، ما أدى إلى زيادة فترات قطع التيار الكهربائي لأكثر من ساعتين يومياً وتوقف بعض المصانع الحيوية. كما تسبب انقطاع الإمدادات في يونيو/حزيران 2024 لفترة عشرة أيام بفوضى إضافية في الصناعات المصرية التي تعتمد على الغاز، ما أبرز خطورة الاعتماد على مصدر خارجي غير موثوق. 

ومع تكرار الانقطاعات في الإمدادات، تكبّدت القطاعات الإنتاجية المصرية وقطاع توليد الكهرباء خسائر كبيرة، اضطَرت الحكومة للاعتماد على الوقود الثقيل كبديل، رغم كونه أقل كفاءة وأكثر تكلفة، بينما جرى إخطار بعض المنشآت الصناعية في مصر، مثل مصانع الإسمنت والحديد، بتقليص كميات الغاز المخصصة، فضلاً عما شهده الشعب المصري من انقطاعات متكررة للكهرباء وما تلاها من تعليمات لـ «تخفيف الأحمال». 

خامساً، إضعاف فرص التنويع الطاقي واستدامة الطاقة المتجددة: بدلاً من تعزيز التحول نحو الاستقلال الطاقي المستدام، بما يقلل الاعتماد على الواردات ويحدّ من تقلبات سوق الطاقة، تعمّق اتفاقية الغاز الضخمة هذه من التركيز على الغاز المستورد، وتعيق تنمية مصادر الطاقة المتجددة على المستوى البعيد، وكذلك تضعف الجاذبية الاستثمارية لمشروعات بديلة مثل الطاقة الشمسية والرياح، التي من شأنها أن تخفّض التكاليف على المدى الطويل وتقلّل الاعتماد على مصادر خارجية بما يحمي الاقتصاد المحلي. وبالإضافة إلى تأثيرها على الاستثمارات في الطاقة المتجددة، تعيق هذه الاعتمادية من فرص إعادة تطوير الحقول المحلية، وتحصر مصر إلى «مركز عبور» للغاز الإسرائيلي، بدلاً من أن تكون منتجاً مستقلاً ولاعباً رئيسياً بموقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية للغاز الطبيعي المسال. 

في الختام، وفي ضوء توقيع مذكرتي تفاهم بين مصر وكلٍّ من لبنان وسوريا في قطاع الغاز، تبرز تساؤلات جوهرية حول الدور الذي قد تلعبه مصر إقليمياً كممرّ فعلي للغاز الإسرائيلي، وما إذا كانت هذه المذكرات تتضمن ضمانات واضحة تمنع توريد الغاز من مصادر متنازع عليها أو منهوبة، وتحترم في الوقت نفسه القوانين الوطنية، وعلى رأسها قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان. فإن كان فاقد الشيء لا يعطيه، كيف لمصر أن تصبح فجأة مصدّراً للغاز وهي في ذات الوقت تستورده بكميات هائلة من العدوّ الإسرائيلي؟ تزداد هذه المخاوف في ظل ارتباط إسرائيل بشبكة أنابيب «الغاز العربي» وتوقيعها اتفاقيات سياسية وتجارية تحتّم امتزاج الغاز الإسرائيلي بالمصادر الأخرى، أي "تعويم" مصادر الغاز، كما هو قائم مع اتفاقية الأردن، بما يهدد بتحويل هذه الترتيبات إلى قناة غير مباشرة لتطبيع اقتصادي وطاقي يتعارض مع الالتزامات القانونية والسيادية والوطنية للدول المعنية.

لم يعد خافياً على أحد مساعي العدوّ الإسرائيلي في إضعاف مصر من حيث تقويض مواردها المائية والغازية وتهميش دور قناة السويس تدريجياً، وتأكيده يوماً بعد يوم بأنّ دول وكيانات وشعوب المنطقة هي جلّها في دائرة الاستهداف وضمن الأطماع الاستيطانية التوسعية لمشروعه الاستعماري. وضمن هذا المشروع، يعمل النظام الإسرائيلي، مدعوماً بشكل خاص من النظام الإماراتي الاستبدادي، بشكل حثيث على تفتيت دول المنطقة،  بدءاً بالسودان والصومال واليمن وسوريا. الآن هو وقت الاستجابة للمطالب الشعبية بالتحلّل الكامل من أي اتفاقيات تخالف القانون الدولي وتكرّس التبعية الاقتصادية وتعرّض الأمن القومي المصري لمخاطر ومطامع العدو الإسرائيلي. 

بإلغاء اتفاقية الغاز مع العدو الإسرائيلي وتطوير القدرات الذاتية، تحفظ السلطات المصرية السيادة والكرامة الوطنية والأمن القومي وتدعم الاقتصاد المحلي، وتتفادى التواطؤ في الجرائم الإسرائيلية الوحشية بحق الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة العربية الشقيقة.