فلسطين المحتلّة، 10 ديسمبر/كانون الأول 2024 - أقرّت منظّمة العفو الدوليّة، أكبر منظمة لحقوق الإنسان في العالم، في تقرير صدر عنها منذ أيام، أنّه وبالاستناد إلى ما تقوم به إسرائيل من أفعال وسياسات وتجاوزات منذ السابع من أكتوبر، فإنها ترتكب جريمة الإبادة الجماعيّة ضدّ 2.3 مليون فلسطينيّ في قطاع غزة المحتلّ والمحاصَر. وبهذا، تنضمّ منظمة العفو الدولية إلى الدول وخبراء الأمم المُتحّدة وآلاف الخبراء القانونيين والمؤرخين الذين وصلوا إلى ذات الاستنتاج.
ووجدت منظمة العفو الدوليّة في تقريرها أن نظام الاحتلال العسكريّ والأبارتهايد الإسرائيليّ القائم منذ عقود، والإفلات من العقاب التي يتمتّع به هذا النظام منذ مدّة طويلة، يُشكلّان سياقاً حاسماً للإبادة الجماعيّة.
على الرغم من مرور 14 شهرًا منذ بدء إسرائيل ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة، يعدّ نشر نتائج التقرير مهمّاً لتسليطه الضوء على الحاجة الملحة إلى اتخاذ إجراءات لإنهاء التواطؤ مع النظام الإباديّ الإسرائيليّ، حيث يوجّه التقرير عددًا من النداءات إلى الدول والأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بما يتّسق مع الدعوة الموّحدة التي أطلقها الفلسطينيّون لفرض العقوبات على إسرائيل.
تدعو منظمّة العفو الدوليّة في تقريرها جميع الدول إلى فرض عقوباتٍ مُستهدفة ومُوجّهة على إسرائيل، قائلة:
"يجب على الدول أن تتوقف فورًا عن إمداد أو بيع أو نقل جميع الأسلحة وغيرها من العتاد العسكري لإسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن تكف عن تقديم التدريب وغيره من أشكال المساعدة العسكرية والأمنية".
على الدول توظيف "كافّة الأدوات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسيّة بحوزتها" لضمان وقف إسرائيل لجريمة الإبادة الجماعيّة، وإنهاء احتلالها العسكري، وتفكيك نظام الأبارتهايد.
على الرغم من تأخره عاماً وشهرين، ترحبّ اللجنة الوطنيّة الفلسطينيّة لمقاطعة إسرائيل (BNC)، أكبر ائتلاف فلسطينيّ يقود حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها عالمياً (BDS)، بما توصّلت المنظمة إليه في تقريرها وغالبية التوصيات الواردة فيه. وتدعو اللجنة أعضاء منظمة العفو الدوليّة وأقسامها إلى تصعيد ضغطهم على الدول والشركات والمؤسسات لإنهاء تواطؤها مع نظام الاحتلال العسكريّ والإبادة والأبارتهايد الإسرائيليّ. إنّ وقف الإبادة الجماعيّة يتطلّب تكثيف الضغوط المتزايدة على الحكومات لفرض عقوبات مُوجّهة وقانونية على إسرائيل، بدءاً بفرض الحظر العسكري والأمني الشامل، كما حدث مع نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.
النتائج الرئيسيّة للتقرير:
"وجدت منظمة العفو الدولية ما يكفي من الأدلة للاستنتاج أن إسرائيل ارتكبت، خلال الفترة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ويوليو/تموز 2024 ، أفعالًا تحظرها اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وهي القتل، وإلحاق أذى بدني أو نفسي، وإخضاع الفلسطينيين، عمدًا، لظروف معيشية يراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا. كما خلُصت المنظمة إلى أن هذه الأفعال ارتُكبت بقصد خاص، وهو تدمير الفلسطينيين في قطاع غزة، والذين يشكلون جزءًا جوهريًّا من الشعب الفلسطيني ويُعَدّون جماعة محمية بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، بصفتهم هذه، أي بصفتهم فلسطينيين".
وممّا يزيد من أهمية هذا الاستنتاج هو توصّل منظمة العفو الدولية، على مدى بحث وتحقيق استمرّ تسعة أشهر، لعدم وجود أيّ دليل على تغيّر سياسات إسرائيل أو أفعالها أو تجاوزاتها بأي طريقة "ذات مغزى". كما يسلّط التقرير الضوء على سياق القمع الممنهج الذي تمارسه إسرائيل، بما في ذلك احتلالها غير المشروع والحصار الوحشي المفروض على غزة، ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه على الشعب الفلسطيني بأسره، بمن فيهم اللاجئين. كما يبرز التقرير خطاب شيطنة الفلسطيني وتجريده من إنسانيته والدعوات الإبادية لتدميره من جانب القادة وصنّاع القرار الإسرائيليّن.
توصيات التقرير للطرف الثالث/الدول الوسيطة:
"تحث منظمة العفو الدولية جميع دول العالم، ولا سيما تلك التي تمتلك نفوذًا على إسرائيل، بما فيها أقوى حلفائها مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، على اتخاذ خطوات عاجلة لوضع حد لجميع أفعال إسرائيل التي قد تُعَدّ من قبيل الإبادة الجماعية، وذلك تماشيًا والالتزام الواقع على عاتق هذه الدول بمنع ومعاقبة أفعال الإبادة الجماعية. وكخطوة أولى، يجب على هذه الدول ضمان التزام إسرائيل بالتنفيذ الكامل لكافة التدابير المؤقتة التي أمرت بها محكمة العدل الدولية منذ 26 يناير/كانون الثاني 2024".
"امتثالًا للفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/تموز 2024 ، يجب على الدول الامتناع عن تقديم أي معونة أو مساعدة من شأنها الإسهام في إبقاء الوضع غير القانوني الناشئ عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، والذي يعززه نظام الأبارتهايد".
"يجب على الدول أن تتوقف فورًا عن إمداد أو بيع أو نقل جميع الأسلحة وغيرها من العتاد العسكري لإسرائيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن تكف عن تقديم التدريب وغيره من أشكال المساعدة العسكرية والأمنية، كما تحث منظمة العفو الدولية الدول على اعتماد السياسات الملائمة التي تضمن توقف الكيانات القانونية الخاصة الخاضعة لولايتها القضائية عن تقديم الخدمات والتكنولوجيا والإمدادات العسكرية التي تستخدمها إسرائيل في عملياتها العسكرية في قطاع غزة".
"تحثّ منظمة العفو الدولية الدول على اعتماد السياسات الملائمة التي تضمن توقف الكيانات القانونية الخاصة الخاضعة لولايتها القضائية عن تقديم الخدمات والتكنولوجيا والإمدادات العسكرية التي تستخدمها إسرائيل في عملياتها العسكرية في قطاع غزة".
"من خلال ممارسة الولاية القضائية الجنائية المحلية أو العالمية أو غيرها من أشكال الولاية القضائية خارج المجال الإقليمي، يجب التحرّك بشكلٍ عاجل من أجل وقف الجرائم المرتكبة في غزة منذ السابع من أكتوبر، بما يشمل جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، والاقتصاص من مرتكبيها، عبر تحقيق العدالة المنصفة والمساءلة الجنائية الفردية. وضمان عدم وجود أي قانون للتقادم أو أي عقبات قانونية أو سياسية أخرى أمام التحقيق في الجرائم بموجب القانون الدولي وملاحقة مرتكبيها قضائياً. وضمان عدم منح أيّ حصانة شخصية أو وظيفية [لمرتكبي هذه الجرائم] من الملاحقة القضائية أو العفو عنها".
"في حال وجود أدلة كافية، يجب ضمان قيام السلطات المختصة بإجراء التحقيقات الجنائية والملاحقات القضائية في المحاكم المدنية. وينطبق هذا على الأفراد الخاضعين لولايتها القضائية، استناداً إلى مبادئ الولاية القضائية العالمية وجنسية كل من الجناة والضحايا، بما في ذلك حالات الجنسية المزدوجة. وينبغي أن يشمل هذا الجناة المحتملين الذين قد ارتكبوا جرائم بصفتهم أعضاء في الجيش الإسرائيلي أو حركات المستوطنين. بالإضافة إلى ذلك، يجب التعاون بشكل استباقي مع الدول الأخرى التي فتحت تحقيقات على المستوى الوطني".
"على الدول توظيف كافة الأدوات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسيّة بحوزتها لتنفيذ توصيات التقرير [ضمان وقف إسرائيل لجريمة الإبادة الجماعيّة، وإنهاء احتلالها العسكري، وتفكيك نظام الأبارتهايد]، وضمان أن يكون القانون الدولي محورياً في جميع الاتفاقيات الثنائية ومتعدّدة الأطراف، بما في ذلك ممارسة العناية الواجبة لضمان عدم مساهمة هذه الاتفاقيات في الإبادة الجماعية أو غيرها من الجرائم بموجب القانون الدولي".
توصيات لمجلس الأمن التابع للأمم المُتحّدة:
"فرض حظر عسكري شامل على إسرائيل، بما يشمل التوريد المباشر وغير المباشر أو البيع أو النقل، بما في ذلك النقل العابر والشحن، لجميع الأسلحة والذخائر وغيرها من المعدات العسكرية والأمنية، بما في ذلك توفير التدريب وغير ذلك من المساعدات العسكرية والأمنية".
"فرض عقوبات موجهة، مثل تجميد الأصول، على المسؤولين الإسرائيليين … الأكثر ضلوعًا في جرائم القانون الدولي، بما فيها الجرائم التي ارتُكبت في سياق الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023".
توصيات للجمعيّة العامّة للأمم المتحدة:
"اعتماد قرار لإعادة إحياء اللجنة الخاصة بمكافحة الفصل العنصري (الأبارتهايد)، والتي أنشئت في الأصل بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1761 (XVII) بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1962، للتركيز على جميع الحالات، بما في ذلك إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يتم ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية تتمثل في الأبارتهايد، والضغط… لتفكيك هذا النظام من الاضطهاد والهيمنة".
توصيات لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المُتحدة:
"الدعم الكامل لولاية وعمليات قاعدة بيانات الأمم المتحدة للأنشطة التجارية في المستعمرات الإسرائيلية عملاً بقراري مجلس حقوق الإنسان 31/36، المؤرخ 24 مارس 2016، و53/25، المؤرخ 19 يوليو 2023، والدعوة إلى توسيعها لتشمل جميع الشركات التجارية المشاركة في أي نشاط داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة يسهل سياسات وممارسات إسرائيل كقوة احتلال، والتي وجدت أنها تنتهك القانون الدولي بموجب الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024."
اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل:
أهم ما ورد في تقرير منظمة العفو الدوليّة هو دعوتها للحظر العسكريّ الفوري والشامل في الاتجاهين على العدوّ الإسرائيلي، بما في ذلك تعليق بيع أو توريد المعدّات العسكرية والأسلحة وتوفير التدريبات المشتركة وغيرها من المساعدات العسكرية-الأمنية، ومطالبته الدول باستخدام كلّ الوسائل الدبلوماسيّة والاقتصاديّة والسياسيّة المُتاحة لضمان وقف جريمة الإبادة الجماعيّة.
يجب على منظمة العفو الدولية الآن أن تلحق هذا التقرير بحملة جادة ومؤثرة للضغط على الدول لفرض عقوبات قانونية ذات مغزى على إسرائيل - عسكرياً وتجارياً ومالياً ودبلوماسياً وأكاديمياً وثقافياً ورياضياً وغيرها. كما يتعين عليها دعم الجهود المبذولة لتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، تمامًا كما جرى في حالة جنوب إفريقيا في عهد نظام الأبارتهايد البائد، وإحياء آليات الأمم المتحدة للمساعدة على تفكيك هذا نظام الأبارتهايد الإسرائيلي القائم ضد الشعب الفلسطيني ككل، بمن فيه اللاجئين المهجّرين من ديارهم.
كما تدعو اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل أعضاء منظمة العفو الدوليّة وأقسامها إلى تكثيف ضغوطهم على الدول والشركات والمؤسسات لإنهاء تواطؤها مع النظام الاستعماري الإبادي الإسرائيليّ.
يستوجب زمن الإبادة المتلفزة ترجمة المواقف والكلمات والتقارير إلى أفعالٍ حقيقية ومؤثرّة تساهم في نيل الشعب الفلسطينيّ الحرية والتحرر والعدالة وتقرير المصير وعودة اللاجئين إلى الديار.